جريمة إعدام لاسامير

منذ 3 ساعات
جريمة إعدام لاسامير
محمد الطالبي

ليست قضية «لاسامير» مجرد ملف اقتصادي عالق، بل هي جريمة سياسية واقتصادية مكتملة الأركان، لأن قرار ترك المصفاة الوحيدة لتكرير البترول بالمغرب تتجه نحو التصفية لم يكن قدراً محتوماً، بل كان نتيجة اختيارات وقرارات اتخذتها جهات تمتلك سلطة القرار والتشريع والتدبير.

لقد كانت «لاسامير» إحدى ركائز الأمن الطاقي الوطني، وأداة استراتيجية لحماية الاقتصاد الوطني من تقلبات الأسواق الدولية. وعندما توقفت عن الإنتاج، لم يخسر المغرب شركة فقط، بل خسر جزءاً من سيادته الاقتصادية وقدرته على التحكم في قطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.

واليوم، وبعد سنوات من التوقف، أصبح من الضروري تسمية الأشياء بأسمائها. فالجريمة وقعت، والمسؤولية السياسية عنها تتحملها الأغلبية الحكومية التي امتلكت القرار التنفيذي والأغلبية البرلمانية اللازمة لاتخاذ ما تشاء من قرارات أو تعطيل ما تشاء من مبادرات. ومن غير المقبول الاستمرار في توزيع المسؤولية على الجميع بينما يعرف المغاربة جيداً من كان يملك السلطة ومن كان يملك الأغلبية العددية.

لقد رفضت هذه الأغلبية كل المبادرات الرامية إلى إنقاذ «لاسامير»، كما رفضت مقترحات أخرى لتسقيف أسعار المحروقات أو الحد من تداعيات تحرير السوق على القدرة الشرائية للمواطنين. وهكذا وجد المغاربة أنفسهم أمام واقع مزدوج: مصفاة وطنية معطلة وأسعار محروقات تستنزف الأسر والمقاولات على حد سواء.

والأدهى من ذلك أن بعض الأصوات تحاول تحميل المعارضة مسؤولية ما وقع أو التقليل من حجم مسؤولية الأغلبية. والحقيقة أن المعارضة، مهما كانت الملاحظات المسجلة عليها، لا تملك اليوم من الناحية العددية والمؤسساتية الأدوات الكافية لفرض بدائلها أو لإسقاط السياسات الحكومية. بل إن المعارضة بمجلسي البرلمان، حتى وهي مجتمعة، لا تتوفر على العدد المطلوب لتفعيل بعض الآليات الدستورية الرقابية الأساسية، وعلى رأسها ملتمس الرقابة. لذلك فإن الحديث عن تقصير المعارضة لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأساسية: القرار كان بيد الأغلبية، والمسؤولية السياسية تبقى مرتبطة بمن يملك سلطة القرار.

لقد حولت الأغلبية تفوقها العددي إلى أداة لتمرير اختياراتها دون اكتراث كافٍ بحجم الاعتراضات المجتمعية والسياسية. وعندما يتعلق الأمر بملف استراتيجي بحجم «لاسامير»، فإن المسؤولية لا يمكن أن تضيع بين المؤسسات أو الأحزاب أو الإدارات، بل تبقى ثابتة في ذمة من امتلك السلطة واستخدمها.

إن إعدام «لاسامير» سيبقى وصمة سياسية واقتصادية في سجل هذه المرحلة، ليس فقط بسبب ضياع مؤسسة وطنية استراتيجية، بل أيضاً بسبب ما ترتب عنه من تعميق للتبعية الخارجية وإضعاف لقدرة الدولة على التدخل في سوق المحروقات وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فالتاريخ لا يحاسب من اعترض، بل يحاسب من قرر ومن كان قادراً على القرار.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.