وثيقة من زمن مضـى: حين كانت وزارة التعليم تخشى على جيب المواطن !

14 سبتمبر 2026
وثيقة من زمن مضـى: حين كانت وزارة التعليم تخشى على جيب المواطن !

كلاش بريس / الرباط

​تعود بنا المذكرة الوزارية الصادرة في شتنبر 1970 إلى مرحلة كان فيها صانع القرار يمتلك حساسية مفرطة تجاه القدرة الشرائية للآباء. لغة المذكرة واضحة وحازمة: انزعاج وزاري صريح من إرهاق التلاميذ بكثرة الطلبات التي “ترهق الآباء وتتركهم في حيرة من أمرهم”، وتوجيه صارم بالاكتفاء بما هو ضروري فقط. ثلاثة دفاتر لا غير، وكتاب المطالعة وحده، وأغلفة في متناول الجميع، وملابس نظيفة دون اشتراط نوع أو لون. كانت المدرسة حينها مؤسسة تبني العقول وتراعي “المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسر”، وتقف سداً منيعاً أمام أي محاولة لتسليع التعليم وإثقال كاهل المواطن البسيط.

​بمقارنة تلك الروح المسؤولة لعام 1970 مع كابوس الدخول المدرسي اليوم، يتجلى بوضوح كيف تكالب الجميع ضد المواطن. لقد تحولت المنظومة (خصوصاً بتغول القطاع الخاص وتراخي الرقابة) إلى ماكينة جشعة تنهش جيوب الأسر. المواطن اليوم أصبح مجرد بقرة حلوب تُستنزف موارده بلا رحمة عبر لوائح أدوات مدرسية سريالية، وكتب تكميلية ومستوردة باهظة الثمن تتغير طبعاتها سنوياً لضمان استمرار النزيف المادي، ناهيك عن رسوم التسجيل والتأمين المبالغ فيها. اختفت تماماً عبارة “مراعاة المستوى الاجتماعي” ليحل محلها منطق السوق المتوحش الذي حول التعليم إلى تجارة مربحة تتواطأ فيها المدارس ودور النشر والمكتبات.

​المأساة الكبرى والمفارقة المبكية لا تكمن فقط في حجم الاستنزاف المالي، بل في العائد الكارثي لهذا الاستثمار العائلي. أمام هول الأموال المدفوعة والميزانيات التي تقتطعها الأسر من قوتها اليومي، نصطدم بواقع مرير حيث المستوى التعليمي منحدر جداً. الملايين تُدفع لتغطية تكاليف “البريستيج” والمظاهر وتكديس الكتب في محافظ تكسر ظهور الأطفال، بينما جودة التحصيل العلمي والتربوي في تراجع مخيف بشهادة التقارير الوطنية والدولية.

​قديماً، بثلاثة دفاتر وكتاب واحد، تخرجت أجيال من الكفاءات التي أتقنت اللغات والعلوم وبنت الإدارة والمجتمع. واليوم، بحقائب ثقيلة وعشرات المقررات الملونة والمكلفة، ننتج أجيالاً تعاني في أبجديات القراءة والتحليل. لقد تحول التعليم من حق دستوري راقٍ إلى فخ استهلاكي، يدفع فيه المواطن ثروته ليحصد في النهاية خيبة الأمل ومستوى تعليمياً لا يوازي حجم تضحياته.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.