حين تختزل الأحزاب نفسها في مقعد برلماني

14 سبتمبر 2026
حين تختزل الأحزاب نفسها في مقعد برلماني

عثمان باقة

بمناسبة الحملة الانتخابية تم تسجيل ملاحظة مهمة جدا، وهي ان كل الأحزاب المغربية صاغت برامجها على أساس أنها ستكون في الأغلبية الحكومية، بل ثمة مفارقة لافتة في الخطاب الانتخابي لبعض الأحزاب المغربية: أحزاب تدرك، بحكم موقعها وحجمها الانتخابي، أنها بعيدة عن قيادة الأغلبية، وربما لا تضمن حتى تشكيل فريق برلماني، ومع ذلك تصوغ برامجها كما لو أن وظيفتها الأساسية تبدأ من اليوم الذي ستدخل فيه الحكومة.
المسألة هنا ليست مجرد مبالغة انتخابية في الوعود، وإنما تكشف، في العمق، عن اختزال مقلق لوظيفة الحزب السياسي في الوصول إلى السلطة التنفيذية عبر البرلمان.
ففي العلوم السياسية، لا تختزل الأحزاب في كونها أجهزة انتخابية، إنها مؤسسات للوساطة بين المجتمع والدولة، وتجميع المصالح الاجتماعية وصياغتها في مطالب سياسية، وتأطير المواطنين، والتنشئة السياسية، وإنتاج النخب، وتكوين القيادات، والتعبير عن التعددية الاجتماعية والفكرية، والمساهمة في بناء الأجندة العامة وإنتاج البدائل السياسية. والانتخابات، في هذا التصور، ليست غاية الحزب الوحيدة، وإنما إحدى الآليات التي يمارس من خلالها وظائفه داخل المجتمع والدولة.
من هذه الزاوية، يصبح غريبا أن يخوض حزب الانتخابات ببرنامج يكاد ينحصر في سؤال: ماذا سنفعل إذا شكلنا الحكومة؟ نقول له : وماذا عن المجتمع؟ ماذا عن التأطير؟ ماذا عن الدفاع عن المصالح الاجتماعية التي يدعي الحزب تمثيلها؟ ماذا عن بناء الوعي السياسي؟ ماذا عن تكوين الأطر والنخب؟ ماذا عن العمل داخل المؤسسات وخارجها؟ وماذا عن إنتاج الأفكار والبدائل حتى عندما لا يكون الحزب جزءا من الأغلبية؟
إن الحزب الذي يختزل وجوده في الحصول على مقاعد برلمانية يختزل نفسه قبل أن يختزله الناخب، فالبرلمان موقع مهم من مواقع الفعل السياسي، لكنه ليس المجتمع كله، وليس السياسة كلها. بل إن الرهان على البرلمان وحده يمثل، في حد ذاته، ضربا من الوهم السياسي إذا لم يكن الحزب يمتلك حضورا اجتماعيا وتنظيميا وفكريا يتجاوز المؤسسة التشريعية.
فالبرلمان يمنح الحزب منبرا، لكنه لا يصنع له تلقائيا مجتمعا، والمقعد البرلماني قد يمنح صاحبه شرعية تمثيلية، لكنه لا يمنحه بالضرورة قدرة على التأثير في اتجاهات المجتمع.
أما الحزب الحقيقي، فوظيفته أن يكون حاضرا قبل الانتخابات وبعدها، داخل البرلمان وخارجه، في المؤسسات وفي المجتمع، وأن يحول المصالح الاجتماعية المتفرقة إلى رؤى ومطالب وسياسات قابلة للنقاش والتداول.
من هنا أيضا تبدو محدودية البرامج التي تتحدث حصرا بلغة الحكومة. فإذا كان الحزب لا يملك تصورا إلا لما سيفعله عندما يصبح جزءا من السلطة التنفيذية، فماذا يبقى من وظيفته عندما يجد نفسه في المعارضة، او حتى خارج البرلمان ؟ هل يتوقف دوره؟ هل يتجمد تنظيمه؟ هل يتوقف إنتاجه الفكري؟ هل ينتظر الانتخابات التالية؟ بالطبع لا.
المعارضة، في التصور الديمقراطي، ليست فترة سبات سياسي، كما أن عدم الوصول إلى الحكومة او البرلمان لا يعني انتهاء الوظيفة الحزبية. فالحزب المعارض يستطيع أن يراقب، ويقترح، ويؤطر، وينظم النقاش العمومي، ويصوغ البدائل، ويمارس الضغط السياسي والمجتمعي، ويعيد بناء علاقته بالفئات التي يمثلها.
بل إن الحزب الذي لا يستطيع أن يكون فاعلا إلا عندما يكون في الحكومة او البرلمان، يطرح سؤالا أساسيا حول طبيعة بنيته ووظيفته: هل هو حزب سياسي بالمعنى المؤسساتي والاجتماعي، أم مجرد جهاز انتخابي يبحث عن موقع داخل السلطة، تشريعية كانت او تنفيذية؟
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى مفارقة أكبر: في الديمقراطيات الحديثة، لا تنحصر قوة الحزب في عدد مقاعده، قد يكون لحزب تمثيل برلماني جد محدود او حتى منعدم، ويكون له تأثير يفوق حجمه الانتخابي وذلك عندما يمتلك قدرة تنظيمية وفكرية ومجتمعية على صياغة النقاش العام، أو عندما يكون قادرا على إنتاج أفكار تتحول إلى مرجعيات للسياسات العمومية، أو عندما ينجح في تمثيل مصالح اجتماعية لا تجد تعبيرا كافيا داخل المؤسسات.
أما تحويل الانتخابات إلى اللحظة الوحيدة التي يكتسب فيها الحزب معنى وجوده، فهو إفراغ للسياسة من أحد أهم أبعادها: الوساطة بين المجتمع والدولة.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه على الأحزاب في هذه الحملة ليس فقط: ماذا ستفعلون إذا شكلتم الحكومة؟ بل أيضا: ماذا ستفعلون للمجتمع إذا لم تشكلوها؟ كيف ستؤطرون المواطنين؟ كيف ستجددون تنظيماتكم؟ كيف ستنتجون الأفكار؟ كيف ستدافعون عن المصالح التي تقولون إنكم تمثلونها؟ وكيف ستصنعون البديل؟ الى غير ذلك من الأسئلة الجوهرية.
هذه الأسئلة أكثر أهمية من سباق الوعود، لأنها تعيد النقاش إلى جوهر السياسة الحزبية، فالانتخابات لحظة من لحظات الديمقراطية، والبرلمان مؤسسة مركزية فيها، والحكومة إحدى نتائجها الممكنة؛ لكن الحزب السياسي أوسع من الانتخابات، وأوسع من البرلمان، وأوسع من الحكومة، ومن لا يدرك هذه الحقيقة، قد ينجح في الحصول على مقعد، لكنه لن ينجح بالضرورة في بناء حزب.
وربما لهذا السبب تحديدا تبدو بعض البرامج الانتخابية الحالية فقيرة سياسيا رغم كثرة ما تعد به اجتماعيا: لأنها تتحدث كثيرا عما ستفعله في البرلمان او الحكومة، ولا تقول بما يكفي عن ماذا تريد أن تكون في المجتمع.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للأحزاب: ليس فقط أن تعرف كيف تطلب من المواطن صوته، وإنما أن تعرف ماذا ستفعل بثقته، وبوجودها، وبوظيفتها السياسية، حتى عندما لا يمنحها ذلك الصوت سلطة الحكم

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.