معنى ودلالات التشطيب على الناخبين

19 يوليو 2026
معنى ودلالات التشطيب على الناخبين
عثمان باقة

في كل التجارب الديمقراطية، لا تبدأ الانتخابات يوم فتح مكاتب الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، منذ اللحظة التي يتم فيها تحديد من يملك حق التصويت، فالجسم الانتخابي ليس مجرد معطى إحصائي، بل هو الأساس الذي تبنى عليه الشرعية السياسية، ولذلك فإن أي تعديل يطرأ على اللوائح الانتخابية، سواء بالتسجيل أو التشطيب، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري تقني، وإنما باعتباره فعلا دستوريا يمس أحد الحقوق السياسية الأساسية للمواطن.

وفي المغرب، أثارت قرارات التشطيب على عدد كبير من الناخبين، الصادرة عن اللجان الإدارية المكلفة بمراجعة اللوائح الانتخابية، نقاشا واسعا داخل اوساط المهتمين بالشأن العان وأساتذة العلوم السياسية والدستورية، تجاوز حدود المساطر القانونية، ليطرح سؤالا جوهريا يتعلق بطبيعة الديمقراطية نفسها: هل يتعلق الأمر بتطبيق عادي للقانون، أم أننا أمام ممارسات، وإن كانت تستند إلى نصوص قانونية، فإن آثارها السياسية تمس جوهر الحق في المشاركة السياسية؟

إن هذا السؤال لا يمكن مقاربته بمنطق الانفعال السياسي أو بمنطق الاصطفاف الحزبي، وإنما من خلال مفاهيم العلوم السياسية والقانون الدستوري، باعتبارهما الإطارين القادرين على تفسير العلاقة بين الإدارة والانتخابات والشرعية الديمقراطية.

الحق في التصويت دستوري وليس امتيازا إداريا

تنص الوثيقة الدستورية على أن المواطنين يتمتعون بحقوقهم السياسية، وفي مقدمتها حق الانتخاب والترشح، كما أن المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب تعتبر المشاركة في الانتخابات حقا أساسيا من حقوق الإنسان، وبالتالي، فإن التسجيل في اللوائح الانتخابية لا يمثل منحة تمنحها الإدارة، وإنما هو الوسيلة القانونية التي تتيح للمواطن ممارسة حقه الدستوري، أما التشطيب فيبقى استثناء لا يجوز اللجوء إليه إلا في الحالات التي يحددها القانون بدقة، مع احترام جميع ضمانات المحاكمة العادلة، وعلى رأسها حق الطعن أمام القضاء الإداري.
غير أن وجود إمكانية الطعن القضائي، على أهميتها، لا يكفي وحده لإضفاء المشروعية السياسية على قرارات التشطيب، لأن الشرعية القانونية تختلف عن الشرعية الديمقراطية.، فقد يكون القرار سليما من الناحية الشكلية، لكنه يثير، من الناحية السياسية، تساؤلات حول أثره في توسيع المشاركة أو الحد منها.
الفقه الدستوري المعاصر يعتبر أن الأصل هو تيسير ممارسة الحقوق السياسية، وليس تضييقها، وأن الإدارة مطالبة دائما بتفسير النصوص بما يخدم المشاركة السياسية، لا بما يؤدي إلى تقليصها.

من دولة القانون إلى الدولة الإدارية

في الفكر الدستوري، تقوم دولة القانون على مبدأ خضوع الإدارة للقانون، وخضوع قراراتها للرقابة القضائية، غير أن العلوم السياسية تضيف بعدا آخر، وهو أن الإدارة ليست مجرد جهاز تقني، بل هي أحد الفاعلين المؤثرين في المجال السياسي.
ولهذا ظهر في الأدبيات السياسية مفهوم الإدارة الانتخابية باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء الثقة في الانتخابات. فكلما شعر المواطن بأن الإدارة تقف على مسافة واحدة من الجميع، ازدادت الثقة في العملية الانتخابية، وكلما تولد الانطباع بأن تدخلها يؤثر في تكوين الهيئة الناخبة، تراجعت تلك الثقة، حتى وإن احترمت الإجراءات القانونية.
إن الديمقراطية لا تقاس فقط بسلامة صناديق الاقتراع، وإنما أيضا بسلامة الطريق المؤدي إليها.

الهيئة الناخبة أساس الشرعية

يعرف علم السياسة الانتخابات بأنها آلية لإنتاج الشرعية من خلال الإرادة الشعبية، غير أن هذه الإرادة لا يمكن أن تكون معبرة عن المجتمع إذا كانت الهيئة الناخبة نفسها محل جدل واسع. ولهذا فإن معظم الديمقراطيات الحديثة تعتبر أن مراجعة اللوائح الانتخابية ينبغي أن تتم بمنتهى الشفافية، وأن تكون القاعدة هي توسيع الجسم الانتخابي، لا تقليصه.
أما عندما تتحول قرارات التشطيب إلى ظاهرة واسعة، فإن النقاش ينتقل من سؤال قانونية القرار إلى سؤال أثره السياسي، إذ يصبح من المشروع التساؤل: هل تؤدي هذه القرارات إلى تعزيز الثقة في الانتخابات، أم إلى تعميق الشعور بأن المشاركة السياسية أصبحت محكومة باعتبارات لا يدركها المواطن؟
إن الشرعية السياسية لا تبنى فقط على احترام القانون، وإنما أيضا على اقتناع المجتمع بعدالة الإجراءات.

الأحزاب السياسية؟

المفارقة اللافتة أن معظم الأحزاب انخرطت في النقاش من زاوية مصالحها الانتخابية، لا من زاوية الدفاع عن الحق الدستوري للمواطنين في التصويت. فالأحزاب التي تضرر بعض مناصريها من التشطيب احتجت لأنها متضررة سياسيا، بينما الأحزاب التي لم يمسها التشطيب التزمت الصمت، وكأن الأمر لا يتعلق بحقوق المواطنين، وإنما فقط بحسابات الربح والخسارة وهذا يكشف أزمة عميقة في الثقافة الحزبية المغربية. فالحزب السياسي، في الفكر الدستوري، ليس شركة انتخابية هدفها الفوز بالمقاعد، وإنما مؤسسة دستورية وظيفتها حماية المشاركة السياسية، وتأطير المواطنين، والدفاع عن الحقوق والحريات.
وعندما يصبح الموقف من الحقوق السياسية مرتبطا فقط بالمصلحة الانتخابية، فإن الأحزاب تفقد تدريجيا وظيفتها الدستورية، وتتحول إلى مجرد فاعلين داخل سوق انتخابية.

أزمة الديمقراطية الداخلية للأحزاب

رغم أن موضوع التشطيب الإداري يختلف قانونيا عن الحياة الداخلية للأحزاب، فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أزمة أخرى لا تقل خطورة. فالأحزاب التي تطالب اليوم بضمان نزاهة الانتخابات مطالبة أيضا بضمان نزاهة تدبيرها الداخلي. ففي كثير من الحالات، ما تزال معايير اختيار المرشحين تخضع لمنطق الولاءات الشخصية، أو التوازنات التنظيمية، أو الحسابات الانتخابية الضيقة، أكثر مما تخضع للكفاءة أو لاختيار المناضلين.
ولا يمكن لحزب يطالب بدولة القانون خارج أسواره أن يتسامح مع غياب الديمقراطية داخل مؤسساته، غير أن هذه الأزمة، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب النقاش الأساسي المتعلق بحق المواطنين في المشاركة السياسية، لأنها قضية مستقلة ذات طبيعة دستورية وإدارية.

ديمقراطية متحكم فيها؟

لقد استعمل عدد من الباحثين في العلوم السياسية مفهوم “الديمقراطية المتحكم فيها” لوصف الأنظمة التي تحافظ على المؤسسات الديمقراطية شكليا، لكنها تجعل نتائج العملية السياسية متأثرة، بدرجات متفاوتة، بجملة من الآليات القانونية والإدارية والسياسية التي تحد من استقلالية المنافسة. ولا يعني استعمال هذا المفهوم الجزم بأن كل قرار إداري يهدف إلى توجيه النتائج، فذلك يحتاج إلى أدلة قانونية وقضائية، وإنما يعني أن تراكم الممارسات التي تثير الشكوك في مراحل تكوين الهيئة الناخبة، إلى جانب ضعف استقلالية الأحزاب، وتراجع الثقة في المؤسسات، قد يخلق لدى الرأي العام انطباعا بأن العملية الانتخابية أصبحت محكومة بمنطق التحكم أكثر من منطق التنافس الحر، وهذا الانطباع، في حد ذاته، يمثل خطرا على الشرعية الديمقراطية، لأن الديمقراطية تقوم، قبل كل شيء، على الثقة.
وفي الأخير، إن النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن ينحصر في عدد الأسماء التي شطبت من اللوائح الانتخابية، ولا في الحزب الذي استفاد أو تضرر من ذلك، بل يجب أن ينصب على سؤال أكبر: كيف يمكن صيانة الحق الدستوري في المشاركة السياسية، وضمان حياد الإدارة، واستعادة الدور الدستوري للأحزاب، حتى تصبح الانتخابات وسيلة حقيقية للتعبير عن الإرادة الشعبية؟
إن الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من احترام الحقوق السياسية للمواطن، وتمر عبر إدارة محايدة، وأحزاب ديمقراطية ومستقلة، وتنتهي بمؤسسات تتمتع بشرعية لا يطعن فيها أحد. وكل خلل في إحدى هذه الحلقات ينعكس على المنظومة بأكملها، ويجعل السؤال المطروح ليس عن نزاهة الانتخابات فحسب، بل عن مستقبل الثقة في السياسة نفسها

عثمان باقة :

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.