كلاش بريس / سطات
لم يعد وصف مدينة سطات بـ”مدينة الأشباح” مجرد مبالغة أو تعبير عاطفي، بل أصبح توصيفًا يتردد على ألسنة عدد كبير من سكانها، وهم يشاهدون مدينتهم تفقد تدريجيًا بريقها الاقتصادي، وتتحول من مدينة واعدة إلى فضاء يفتقد لفرص الشغل والاستثمار.
كل صباح، وقبل أن تشرق الشمس، تتجه أفواج من شباب سطات ونسائها ورجالها نحو الدار البيضاء وبرشيد وبوسكورة والجديدة وغيرها من المدن، في رحلة يومية شاقة بحثًا عن لقمة العيش. يغادرون أبناءهم نائمين، ويعودون في المساء وقد أنهكهم العمل والسفر، بعدما استنزفتهم مصاريف التنقل وساعات الانتظار.
إنه مشهد يتكرر يوميًا، لكنه يطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف لمدينة تتوفر على موقع استراتيجي، وجامعة، ومؤهلات بشرية مهمة، أن تصبح عاجزة عن توفير فرص عمل لأبنائها؟
ولم تكن الضربة الأخيرة سوى إغلاق شركة سيطافيكس، بعد سلسلة من التراجعات التي عرفها النسيج الصناعي بالإقليم. ومع كل إغلاق لمؤسسة اقتصادية، تتسع دائرة البطالة، وتتزايد معاناة الأسر، ويكبر شعور الشباب بأن المستقبل يوجد خارج مدينتهم.
المتضرر ليس العامل وحده، بل المدينة بأكملها. فضعف فرص الشغل ينعكس على التجارة، وعلى الاستثمار، وعلى القدرة الشرائية، وعلى الحركة الاقتصادية، لتدخل سطات في حلقة مفرغة من الركود يصعب كسرها دون رؤية تنموية واضحة.
إن سكان سطات لا يطالبون بالمستحيل، بل بحقهم في التنمية، وفي استقطاب مشاريع قادرة على خلق مناصب شغل تحفظ كرامة الشباب، وتعيد الثقة في مستقبل المدينة. فالإقليم يملك من المؤهلات ما يجعله قادرًا على احتضان استثمارات كبرى إذا توفرت الإرادة والتخطيط والمواكبة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابًا من مختلف المسؤولين والفاعلين الاقتصاديين: ما هي الخطة العملية لإنقاذ اقتصاد سطات؟ وهل سنستمر في مشاهدة شباب المدينة يغادرونها كل فجر بحثًا عن الرزق، بينما تغلق المصانع أبوابها الواحد تلو الآخر؟
سطات إلى قرارات جريئة، ومشاريع حقيقية، واستثمارات منتجة تعيد إليها الحياة. فتنمية المدن لا تقاس بعدد الوعود، بل بعدد فرص الشغل التي توفرها، وبقدرتها على جعل أبنائها يبنون مستقبلهم داخلها، لا خارجها.
سطات تستحق أن تعود مدينةً للحياة والعمل، لا مدينةً يودعها أبناؤها كل صباح، حاملين معهم أحلامهم إلى مدن أخرى، على أمل العودة يومًا إلى مدينة استعادت نبضها الاقتصادي.



















