فتح الله حافظي
في 30 يناير الماضي، خرجت رئيسة المجلس الجماعي لمدينة سطات ببلاغ رسمي أعلنت فيه توقيف استغلال مواقف السيارات ابتداء من فاتح فبراير، معتبرة أن أي استخلاص لواجبات الوقوف سيكون غير قانوني إلى حين استكمال المساطر القانونية. وكان ذلك التزامًا واضحًا أمام الرأي العام بأن عودة الاستغلال لن تتم إلا بعد استيفاء الشروط التي يفرضها القانون.
لكن، بعد أشهر قليلة، عاد كل شيء إلى ما كان عليه. عادت “حلومة” إلى عاداتها السابقة، بعد أن عادت الجيليات الصفراء، وعاد معها استخلاص الأموال من المواطنين، بينما اختفى البلاغ، واختفت معه التفسيرات. فلا المجلس الجماعي أعلن استكمال المساطر التي وعد بها، ولا الرئيسة قدمت للرأي العام الوثائق التي تبرر هذا التحول. وحده المواطن وجد نفسه مطالبًا بالأداء من جديد، وكأن البلاغ لم يكن سوى وسيلة انتشاء شعبوي، لا التزامًا مؤسساتيًا يفترض احترامه.
وما يزيد هذا المشهد غرابة أن الجيليات التي يرتديها مستخلصو الرسوم تحمل عبارة: “أسواق النور – محطات وقوف السيارات والدراجات – جماعة سطات”، وكأن مجرد طباعة اسم الجماعة كافٍ لإضفاء المشروعية على ما يجري. والحال أن المشروعية لا تُطبع على قطعة قماش، بل تُستمد من القانون، ومن المقررات الإدارية، ومن احترام المساطر التي تسبق إحداث أي مرفق عمومي.
وهنا يبرز السؤال الذي يتهرب منه المجلس الجماعي منذ البداية: هل تتوفر مدينة سطات أصلًا على مواقف للسيارات أُحدثت وفق القانون؟
إن الجواب لا يحتمل التأويل. فموقف السيارات ليس جزءًا يُقتطع من الشارع العام، ولا خطوطًا تُرسم على الإسفلت، ولا شخصًا يرتدي “جيلي” أصفر. إنه مرفق عمومي يُحدث فوق الملك الجماعي الخاص، لا فوق الملك العمومي، ويكون منصوصًا عليه في وثائق التعمير، ومهيأ وفق مواصفات تقنية وتنظيمية دقيقة. ومواقف السيارات ليست مجرد فضاءات تُفرض فيها رسوم الوقوف، بل هي مرافق عمومية تشكل إحدى أدوات تنفيذ السياسة العمومية المحلية في مجال تنظيم السير والجولان داخل المدينة. فهي تُحدث لتدبير حركة المرور، والحد من الاختناق، وضمان انسيابية التنقل، وترشيد استعمال الفضاء الحضري، وليس لتحويل الشارع العام إلى مورد جبائي. ومن ثم، فإن الغاية من إحداثها هي خدمة المصلحة العامة وتحسين جودة التنقل، قبل أن تكون مصدرًا للمداخيل. أما الشارع العام، فهو جزء من الملك العمومي الطرقي، ووظيفته الأصلية ضمان السير والجولان، وليس أن يتحول إلى مورد للجباية كلما احتاجت الجماعة إلى مداخيل إضافية، أو إلى فضاء يجد فيه المواطن نفسه، في كثير من الأحيان، تحت ضغط الأداء أو في قلب مشادات لا مبرر لها.
والمفارقة أن تصميم التهيئة الأخير لمدينة سطات، المصادق عليه سنة 2024، خصص بالفعل عقارًا من الملك الجماعي الخاص، عند تقاطع شارعي الحسن الثاني والحنصالي، قبالة مقر الوكالة الحضرية، لإحداث موقف للسيارات. فإذا كانت الجماعة تتوفر على وثيقة تعمير تحدد الموقع القانوني لهذا المرفق، فلماذا لم تعمل على إنجازه؟ ولماذا اختارت، بدل ذلك، استغلال أجزاء من الشارع العام؟ والأهم من ذلك: هل تتوفر الجماعة على وثائق تعمير أو مقررات قانونية مماثلة تؤطر جميع الفضاءات التي تقدمها اليوم باعتبارها “مواقف للسيارات”؟ فإن كانت تتوفر عليها، فلتعرضها على الرأي العام، ولتنه هذا الجدل الذي طال أمده. أما إذا كانت لا تتوفر عليها، فمن حق المواطنين أن يتساءلوا عن الأساس القانوني الذي تُستخلص بموجبه هذه الرسوم.
ويقود هذا السؤال مباشرة إلى المادة الخامسة من القانون رقم 57.19 المتعلق بنظام الأملاك العقارية للجماعات الترابية، التي أحاطت الملك العمومي بحماية خاصة، باعتباره مخصصًا للمنفعة العامة، ولا يجوز التعامل معه كما لو كان رصيدًا عقاريًا جاهزًا للاستغلال المالي. لذلك، فإن جوهر النقاش لا يتعلق بمن يستخلص الأموال، وإنما بمدى احترام المجلس الجماعي للقانون الذي يفترض أنه أول الملزمين بتطبيقه.
إن رئيسة المجلس الجماعي مطالبة اليوم، لا ببلاغ جديد، بل بجواب واضح وحاسم عن السؤال الوحيد الذي يختزل هذا الملف برمته: هل يتعلق الأمر فعلًا بمواقف عمومية أُحدثت فوق الملك الجماعي الخاص، وفق ما تقتضيه وثائق التعمير والمقتضيات القانونية، أم أنه مجرد اقتطاع لأجزاء من الشارع العام وتحويلها إلى فضاءات مؤدى عنها؟ ذلك هو السؤال الذي ينتظر المواطنون جوابًا عنه، لا أكثر ولا أقل. وبالتالي، إذا كانت الجماعة تتوفر على وثيقة التعمير، فلتنشرها، وتضع حدًا لكل هذا الجدل. أما إذا كانت لا تتوفر عليها، فإن استمرار استخلاص الأموال من المواطنين يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام القانون، وحول مشروعية ما يجري فوق الملك العمومي. فالصمت لم يعد مجرد غياب للتواصل، بل تحول إلى عجز عن تقديم جواب سياسي وقانوني عن سؤال بسيط ومشروع.
فالمدينة لا تحتاج إلى المزيد من الجيليات الصفراء، بل إلى مجلس جماعي يحترم القانون قبل أن يطالب المواطنين باحترامه، ورئيسة تدرك أن المسؤولية السياسية لا تقتصر على إصدار البلاغات والتقاط الصور، بل تبدأ عندما يحين وقت تفسير القرارات وتحمل تبعاتها. أما الصمت، فلا يصنع شرعية، ولا يحمي قرارًا، ولا يحجب حقيقة واحدة: أن الشارع العام ليس موردًا للجباية، ولا فضاءً للابتزاز، وأن القانون لا يُدار بمنطق الأمر الواقع، وإنما يُحتكم إليه ويُحترم.
فهل تمتلك الرئيسة القدر الكافي من الشجاعة السياسية لكسر جدار الصمت حول هذا الملف الذي يبدو أن أكثر من جهة تستفيد من استمرار الغموض الذي يلفه؟.


















