كلاش بريس / ع الشاشي
الحديث عن مخدر “البوفا” لم يعد مجرد همس في الزوايا أو تحذير عابر في حملات موسمية، فالامر تحول إلى واقع يومي صادم يفرض نفسه بقوة في عدد من الأحياء، حيث يُباع هذا السمّ في وضح النهار، دون خوف أو ارتباك، وكأن الأمر يدخل في خانة “المألوف” الذي تعايش معه الجميع على مضض. مشهد يختزل حجم المأساة: شباب في مقتبل العمر، تتلاشى أحلامهم تدريجياً، وتُسحب منهم إرادة الحياة، قطعةً قطعة.
“البوفا” … قنبلة صامتة تستهدف الجسد والعقل معاً. تأثيره السريع والمدمر يجعل من مستهلكه ضحية في زمن قياسي، حيث يتحول من شاب يملك طموحات بسيطة إلى كائن منهك، فاقد للتركيز، غارق في الإدمان، وغير قادر على استعادة توازنه بسهولة. هنا لا يتعلق الأمر فقط بالصحة، وإنما بانهيار شامل يمس الهوية والكرامة والقدرة على الحلم.
الأخطر من ذلك أن انتشار هذه المادة يتم في فضاءات مفتوحة، قرب مؤسسات تعليمية وأحياء سكنية، في مشهد يطرح أسئلة ثقيلة حول أسباب هذا التراخي، وحول الجهات التي تستفيد من استمرار هذا النزيف. كيف يمكن لمخدر بهذه الخطورة أن يجد طريقه بسهولة إلى أيدي القاصرين؟ وكيف تحولت بعض النقاط إلى مراكز توزيع شبه معلنة دون أن تُكبح هذه الظاهرة بالصرامة المطلوبة؟
إن ما يحدث اليوم أزمة مجتمعية حقيقية. فكل شاب يسقط في فخ “البوفا” هو خسارة مزدوجة: خسارة لأسرته التي تعيش الألم بصمت، وخسارة لمجتمع يفقد جزءاً من طاقته البشرية. ومع توالي الحالات، يصبح الخطر أكبر من مجرد ظاهرة عابرة، وإنماتهديداً مباشراً لمستقبل جيل بأكمله.
ورغم خطورة الوضع، فإن المقاربة المطلوبة لا يمكن أن تقتصر على الجانب الأمني فقط، على أهميته، فالأمر تستدعي تحركاً متكاملاً يشمل التوعية داخل المدارس، وتأطير الشباب، وفتح فضاءات بديلة تقيهم من السقوط في هذا المستنقع، إلى جانب دعم الأسر التي تجد نفسها وحيدة في مواجهة هذا الكابوس. فالمعركة ضد “البوفا” مسؤولية جماعية تتطلب يقظة مستمرة وإرادة حقيقية.
يبقى السؤال.. إلى متى سيظل هذا السمّ يُباع أمام أعين الجميع، بينما يُسرق مستقبل الشباب بصمت؟ الإجابة فكل يوم يمرّ دون تدخل حازم هو خطوة إضافية نحو تعميق الجرح.


















