يوسف مبتهل
لا يمكن لعين منصفة أن تزور إقليم النواصر اليوم دون أن تصدمها تلك المفارقة الطبقية الصارخة والمبكية؛ إقليم يُسوّق له في الأوراق الرسمية والمنابر الحكومية باعتباره “الجنة الاستثمارية” و”الرئة الاقتصادية” لجهة الدار البيضاء – سطات. هنا، حيث تحلق طائرات العالم من مطار محمد الخامس الدولي، وحيث تتجاور المجمعات السكنية المخملية الفاخرة مع أقطاب تكنولوجيا الطيران والإلكترونيات، تقبع على بعد أمتار قليلة فقط حقيقة أخرى مؤلمة: حقيقة التهميش الممنهج، وسحق الكرامة الإنسانية لآلاف المواطنين، وإفلاس السياسات العمومية لهذه الحكومة التي فضلت لغة الأرقام الماكرواقتصادية الجافة على حساب نبض المواطن البسيط.
إن ما يعيشه إقليم النواصر (بين بوسكورة، دار بوعزة، الرحمة، أولاد عزوز وأولاد صالح) ليس قضاءً وقدراً، بل هو نتاج مباشر لـفشل حكومي ذريع في تدبير التوسع العمراني وعمليات إعادة إسكان قاطني دور الصفيح. لقد رحلت الحكومة الساكنة لتواري “مظاهر الفقر” عن وسط العاصمة الاقتصادية، لكنها رمت بهم في النواصر دون أدنى مواكبة اجتماعية أو بنية تحتية تضمن لهم العيش الكريم، لتتحول المنطقة إلى مرتع خصب للاحتقان الاجتماعي نتيجة ضرب ثلاثة ركائز أساسية: الشغل، والتعليم، والصحة.
حينما نتحدث عن الشغل في إقليم يضخ الملايير في خزينة الدولة، يصدمنا رقم بطالة الشباب الذي يلامس عتبة الـ 40% في الأحياء السكنية الجديدة! إنها المفارقة المخزية لنموذج اقتصادي نيوليبرالي ريعي؛ شركات عملاقة ومؤسسات متعددة الجنسيات تستوطن الإقليم، بينما شباب المنطقة وأبناء دافعي الضرائب يعانون العطالة المزمنة أو يغرقون في الهشاشة والقطاع غير المهيكل. الحكومة الحالية تتحدث عن “ملايين فرص الشغل” في صالوناتها المكيفة، وعاجزة في الواقع عن فرض شروط تشغيل محلية تحمي أبناء الإقليم وتلائم تكوينهم مع متطلبات شركات الطيران والتقنيات العالية.أما التعليم في النواصر، فقد تحول بفضل استقالة الدولة إلى حلقة مفرغة لإنتاج الهدر المدرسي. فصول دراسية تنفجر باكتظاظ غير إنساني يتجاوز 45 تلميذاً في القسم الواحد، ومؤسسات إعدادية وثانوية بعيدة جغرافياً تدفع بالفتيات في المناطق الشبه قروية إلى مغادرة مقاعد الدراسة مبكراً بنسبة انقطاع مقلقة تقارب 4.5% سنوياً.
إن هذا التدمير الممنهج للمدرسة العمومية بالنواصر، مقابل التناسل الفطرى للمدارس الخصوصية التي تستنزف جيوب الأسر المتوسطة، هو إدانة واضحة لحكومة رفعت شعار “الدولة الاجتماعية” لتطبق في الواقع سياسة تسل
يع التعليم وترك أبناء الشعب للمجهول.وتكتمل فصول هذه المعاناة اليومية في قطاع الصحة؛ إذ يعاني الإقليم من “مجاعة طبية” حادة وخصاص بنيوي فادح. كيف يعقل لإقليم يضم قرابة نصف مليون نسمة أن يفتقر لمستشفيات إقليمية كبرى مجهزة؟ كيف يضطر المريض أو المرأة الحامل لقطع مسافات طويلة صوب مستشفيات الحي الحسني أو ابن رشد طمعاً في علاج بسيط؟ المؤشرات كارثية وتتحدث عن معدل يقل عن طبيب واحد لكل 8000 نسمة في بعض الجماعات، ناهيك عن الاكتظاظ المقيت في مستعجلات القرب، والغياب المزمن لأدوية الأمراض المزمنة، والمواعيد البعيدة التي تقترب من رخص الوفاة.
إنني لا ارى في هذه الأزمات مجرد اختلالات تقنية، بل ارى فيها جريمة سياسية مكتملة الأركان تتحمل مسؤوليتها هذه الحكومة الفاشلة؛ حكومة الأوليغارشية واقتصاد الريع التي عمقت التفاوتات الطبقية والمجالية. إن الاستمرار في تغليب منطق الربح السريع، وحماية مصالح كبار العقاريين والمستثمرين، مقابل تفقير دافعي الضرائب وحرمانهم من مشفى يداويهم ومدرسة تعلّم أولادهم وشغل يحفظ كرامتهم، هو الوقود الحقيقي لقوارب الموت وموجات الهجرة الجماعية التي نراها.
يا لأسفاه على حكومة تدعي النجاح وهي عاجزة عن توفير أدنى شروط الاستقرار الاجتماعي في رقعة جغرافية هي منبع ثروتها! إن المحاسبة السياسية والشعبية اليوم يجب أن تتوجه مباشرة إلى الصانعين الحقيقيين لهذه السياسات الإقصائية. كفى من بيع الأوهام، وكفى من سحق كرامة إقليم النواصر وأبنائه؛ فالتغيير الحقيقي يبدأ بالقطع مع هذا النهج النيوليبرالي الفاشل، وبناء مغرب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة













