يصعب على أي متتبع للشأن المحلي بمدينة سطات أن يتجاهل مفارقة صارخة باتت تلازم هذه المدينة: توسع عمراني وخطابات متكررة حول التنمية والتأهيل، مقابل واقع يومي يكشف اختلالا عميقا في ترتيب الأولويات. ولعل خير تجسيد لذلك ملف السوق البلدي، الذي تحول، مع مرور السنوات، إلى عنوان لفشل تدبيري يصعب تبريره أو الدفاع عنه.
فمدينة بهذا الحجم، وبهذا الامتداد الديمغرافي والوظيفي، ما تزال إلى اليوم دون سوق بلدي عصري يليق بتاريخها ومكانتها. ولم يعد الأمر مجرد تأخر في إنجاز مشروع، بل أصبح دليلا على غياب رؤية حضرية واضحة تجعل من حاجيات المواطن وكرامته وصحته أولوية فعلية، لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.
لقد هُدم السوق البلدي القديم، وأقيم على جزء من مساحته مرحاض عمومي ما يزال خارج الخدمة. ولم تعد الروائح المنبعثة من المكان مجرد أذى للأنوف، بل غدت عنوانا لفوضى تُرى بالعين قبل أن تُشم بالأنف، في صورة تختزل ببلاغة مؤلمة حجم المفارقة التي تعيشها المدينة. نعم، هُدم السوق المغطى الذي ظل لعقود قلبا نابضا للحركة التجارية، ومعلما من معالم سطات العمرانية والاقتصادية، لكن ما أعقب ذلك لم يكن مشروعا بديلا ولا رؤية مستقبلية، بل فراغا امتد لسنوات.

ولعل ما يغيب عن كثير من أبناء الجيل الجديد، بل وحتى عن بعض الوافدين الجدد إلى تدبير الشأن المحلي، أن ذلك السوق لم يكن مجرد فضاء للبيع والشراء، بل كان جزءا من الذاكرة الجماعية للمدينة، ومكونا أساسيا من هويتها الحضرية والتجارية. كان فضاء يختزن تفاصيل الحياة اليومية للسطاتيات و للسطاتيين، ويؤرخ لمرحلة كاملة من تاريخ المدينة. ولذلك فإن هدمه دون تعويضه بمرفق يوازي قيمته الاقتصادية والرمزية لم يكن مجرد قرار تقني، بل كان قطعا مع جزء من ذاكرة سطات.
غير أن ما حدث هو العكس تماما، فقد اختفى السوق، واختفت معه صفحة من تاريخ المدينة، دون أن يظهر إلى اليوم بديل قادر على استعادة دوره الاقتصادي والاجتماعي والحضري. وهكذا خسرت سطات أحد أبرز معالمها التجارية، دون أن تربح مرفقا عصريا يليق بمكانتها.
واليوم، وفي ظل هذا الفراغ، وجد المواطن نفسه مضطرا للاعتماد على سوق “شطيبة” باعتباره الخيار المتاح. غير أن هذا السوق، بكل صراحة، لا يفي بالغرض، ولا يمكن اعتباره بديلا حقيقيا لسوق بلدي عصري. فالعشوائية تطبع تنظيمه، والبنية التحتية تعاني الهشاشة، وشروط النظافة لا ترقى إلى ما تستحقه مدينة يفترض أنها تسير في اتجاه التحديث والتأهيل.

وتزداد الصورة قتامة مع حلول الليل، حيث يتحول السوق ومحيطه إلى فضاء تنتشر فيه الفئران والقوارض بشكل لافت، في مشهد يثير الاشمئزاز والقلق في آن واحد. ولا يتعلق الأمر هنا بمظهر يسيء إلى جمالية المدينة فحسب، بل بمشكلة حقيقية تمس الصحة العامة وسلامة المواد الغذائية المتداولة داخل السوق.
السيدة الرئيسة،
إن أخطر ما في هذا الملف ليس فقط غياب السوق البلدي العصري، بل اعتياد الجميع على هذا الغياب وكأنه وضع طبيعي. وكأن مدينة بحجم سطات مطالبة بأن تتعايش مع واقع لا تقبل به مدن أقل منها حجما وإمكانات.
إن استمرار هذا الوضع يكشف خللا واضحا في ترتيب أولويات التهيئة الحضرية. فبينما تصرف الأموال على مشاريع متعددة، ويكثر الحديث عن التأهيل والتنمية، يظل مرفق أساسي يمس الحياة اليومية للمواطنين خارج دائرة الاهتمام الحقيقي.
إن المدن لا تقاس بعدد البلاغات ولا بحجم الوعود، ولا تحتاج المدينة إلى صور منمقة تتناقلها المواقع مهللة بإنجاز أو مبشرة بآخر قد لا يتجاوز خيمة لإقامة وليمة عزاء، بل بما توفره من خدمات ومرافق تحفظ كرامة المواطنين. ومن المؤسف أن تظل سطات، وهي مدينة بتاريخها وموقعها وإشعاعها، عاجزة عن توفير سوق بلدي يليق بساكنتها.
لقد سئم المواطن السطاتي الانتظار، وسئم معه سماع الوعود ذاتها وهي تتكرر دون أثر ملموس على أرض الواقع. والنتيجة أن المدينة فقدت سوقها التاريخي، ولم تجد سوى الفوضى والقوارض بديلا، وفقد المواطن جزءا من ثقته في قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة لأولوياته الحقيقية.
السيدة الرئيسة،
إن سطات لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الوعود المؤجلة ولا إلى خطابات تبريرية جديدة، ولا إلى صور تتقاسمها المواقع والحسابات مهللة بإنجازات ومبشرة بأخرى قد لا تتجاوز أحيانا خيمة تخصص لتنظيم مأتم عزاء . بل تحتاج إلى إرادة حقيقية تعيد الاعتبار لمرفق ظل لعقود جزءا من نبض المدينة الاقتصادي والاجتماعي. فالسوق البلدي ليس مجرد بناية أو مشروع عمراني، بل فضاء للعيش المشترك، وواجهة حضارية، ومؤشرا على مدى احترام المدينة لمواطنيها.
لذلك يبقى السؤال الذي يطرحه المواطنون بإلحاح: من يتحمل مسؤولية ضياع هذا المشروع كل هذه السنوات؟ ولماذا ظلت مدينة بحجم سطات عاجزة عن تعويض سوقها التاريخي بمرفق عصري يليق بمكانتها؟
وإلى أن تتضح الإجابات، وتتحول الأماني إلى أفعال، سيظل هذا الملف شاهدا على هوة واسعة بين الخطاب والواقع، وعلى اختلال في ترتيب الأولويات لا يليق بمدينة تستحق أفضل بكثير مما تعيشه اليوم



















