الزاوية البودشيشية.. من صراع المشيخة إلى تبادل الضرب وتبخر قيم التصوف

منذ 3 ساعات
الزاوية البودشيشية.. من صراع المشيخة إلى تبادل الضرب وتبخر قيم التصوف

كلاش بريس / ع ج

منذ وفاة الشيخ حمزة بن العباس، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، برز إلى الواجهة صراع بين نجليه منير ومعاذ، حول مشيخة الزاوية وموقع كل واحد منهما داخلها. وبصرف النظر عن سؤال الأحقية في القيادة، أو الجدل المرتبط بما يُسمى في أدبيات الزاوية بـ«السر»، فإن المؤكد أن الخلاف لم يعد شأناً داخلياً محدوداً، بعدما خرج إلى العلن واتخذ أبعاداً تهدد صورة الزاوية ووحدتها، بل وتطرح أسئلة جدية حول مستقبلها.

وأمام هذه المعارك، التي انتقلت من البيانات والبلاغات إلى المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي، يحق للمتابع أن يتساءل: هل تتماهى هذه الصورة مع القيم التي يفترض أن يمثلها التصوف، من زهد وتعبد وتسامح وصبر وارتباط بالله، وتعالٍ عن إغراءات الدنيا ومناصبها ومكاسبها؟ وهل يمكن لصراع على المشيخة، مهما كانت مبرراته، أن ينسجم مع خطاب روحي يقوم أساساً على تهذيب النفس ومجاهدة الهوى؟

والأكثر إثارة للقلق هو ما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي من اتهامات ومزاعم تمس عدداً من الأطراف داخل محيط الزاوية، من بينها اتهامات موجهة إلى زوجة الشيخ معاذ القادري البودشيشي، وهي مواطنة إسبانية تُدعى Farah Boutchich Willimelk، بشأن مبالغ مالية قيل إنها مرتبطة بمدخرات الزاوية، فضلاً عن مزاعم مماثلة طالت الطرف الآخر. غير أن هذه الادعاءات تظل، في غياب معطيات رسمية أو أحكام قضائية تثبتها، مجرد مزاعم متداولة لا يمكن التعامل معها كوقائع ثابتة.

لكن خطورة المشهد لا تتوقف عند تبادل الاتهامات. فقد بلغ الخلاف، بحسب ما يتم تداوله، مستوى أكثر حدة مع وقوع مواجهات واحتكاكات بين أنصار هذا الطرف أو ذاك. وهنا يبدو أن جوهر الرسالة الصوفية نفسها بات موضع اختبار: كيف يمكن لخطاب يقوم على التسامح وكظم الغيظ ومجاهدة النفس أن يتحول إلى خصومة تصل إلى العنف والتكفير وتبادل الاتهامات؟
لقد عبّر المتصوفة والزهاد، عبر التاريخ، عن تعلقهم بالله وترفعهم عن أهواء الدنيا في أقوالهم وأشعارهم. ويقول أبو العتاهية:
أشدُّ الجهادِ جهادُ الهوى
وما كرمَ المرءُ إلا التُّقى
وأخلاقُ ذي الفضلِ معروفةٌ
ببذلِ الجميلِ وكفِّ الأذى
غير أن «الأذى» في هذا الصراع أخذ منحى أكثر خطورة، حين وصل الأمر، وفق ما يُتداول، إلى اتهام أو تكفير بعض المخالفين في الرأي أو الموقف من مشيخة أحد الطرفين. وهنا لا يعود الأمر مجرد خلاف حول القيادة، بل يتحول إلى أزمة في الخطاب الديني نفسه، عندما يصبح الاختلاف في المشيخة سبباً للتشكيك في العقيدة أو الطعن في الآخر.
كما أن تدخل جهات رسمية، وفي مقدمتها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية سابقاً، في هذا الملف، أثار بدوره انتقادات من الطرف المقابل، الذي اعتبر ذلك انحيازاً أو تدخلاً في مسألة يفترض أن تُحسم داخل الإطار الذي يحدد علاقة الزاوية بمريديها ومؤسساتها. وبغض النظر عن تقييم ذلك التدخل، فإن دخول الدولة أو المسؤولين بشكل مباشر في نزاع داخلي من هذا النوع قد يزيد تعقيد المشهد بدل أن يساعد على احتوائه، خصوصاً عندما يشعر أحد الأطراف بأن مؤسسة رسمية تميل إلى الطرف الآخر.
وفي النهاية، لا تكمن القضية الحقيقية في معرفة من انتصر في معركة المشيخة، ولا في تحديد صاحب «السر»، بقدر ما تكمن في السؤال الأعمق: ماذا بقي من النموذج الصوفي حين تتحول الزاوية إلى ساحة للصراع والاتهام والاستقطاب؟
فالزاوية، في جوهرها، ليست منصباً ولا امتيازاً ولا مجالاً لتصفية الحسابات، وإنما يفترض أن تكون فضاءً للتربية الروحية وتهذيب النفس والتسامح. وإذا كان الخلاف قد وصل إلى ما وصل إليه، فإن السؤال المشروع اليوم ليس فقط: من يقود الزاوية؟ بل أيضاً: هل نجحت الزاوية في الحفاظ على القيم التي قامت عليها، وتقديم النموذج الذي يفترض أن تقدمه لمريديها وللمجتمع؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.