امين عميمي
في السياسة كما في الطبيعة، هناك كائنات لا تظهر إلا في مواسم محددة. تختفي طيلة السنوات، ثم تعود فجأة مع اقتراب موعد الانتخابات، بكامل أناقتها وابتسامتها ووعودها. إنها ما يمكن تسميته بـ**«الكائنات الانتخابية الموسمية»**؛ وجوه لا يعرفها المواطن إلا عندما تبدأ الحملة الانتخابية، ولا تختفي من المشهد إلا بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
فجأة، يصبح الحي المنسي وجهة يومية للزيارات، والدوار الذي لم تطأه قدم المرشح طوال سنوات يتحول إلى محطة أساسية في جولته، والمواطن الذي كان مجرد رقم في سجلات الإدارة يصبح «سيدي» و«أخي» و«عزيزي». تُستعاد لغة التواضع، وتُفتح أبواب السيارات، وتُلتقط الصور مع الفقراء وكبار السن، وتُوزع الوعود كما توزع المنشورات.
لكن المسألة ليست صحوة ضمير بقدر ما هي دورة حياة انتخابية تبدأ قبل الاقتراع وتنتهي بمجرد ظهور النتائج.
قد نختلف مع السياسي الحقيقي في أفكاره أو برنامجه، لكنه يمتلك مشروعًا ومسارًا وحضورًا مستمرًا في المجال العام. أما «الكائن الانتخابي» فلا يرى في السياسة مشروعًا لخدمة المجتمع، وإنما فرصة للوصول إلى مركز القرار والاستفادة من النفوذ الذي يتيحه المقعد. بالنسبة إليه، الانتخابات ليست وسيلة للتغيير، بل سوقًا موسمية لتسويق الوهم وشراء الولاءات.
فمن هو الكائن الانتخابي وكيف يمكن التعرف عليه؟
يمكن التعرف عليه من خلال مجموعة من السمات التي تكاد تتكرر في كل موسم انتخابي؛
أولها غياب الجذور والذاكرة، بحيث لا يكاد يُرى في الحياة العامة خلال الولاية الانتخابية، ولا يقدم مبادرات مدنية، ولا يحضر في قضايا السكان، وليست له مواقف واضحة تجاه الأزمات المحلية. يبدأ نشاطه السياسي قبل الانتخابات بأشهر، وتنتهي علاقته بالمواطن بمجرد إعلان النتائج.
وثانيها الانتهازية السياسية. فهو لا يرتبط بالضرورة بفكرة أو مشروع أو مرجعية سياسية ثابتة. قد يتغير الحزب، ويتغير الشعار، ويتغير الخطاب، بينما يبقى الهدف ثابتًا ألا وهو الوصول إلى المقعد. لذلك يصبح الانتماء الحزبي عنده وسيلة لا غاية، واللون السياسي مجرد واجهة انتخابية قابلة للتغيير.
أما ثالث السمات فهي الوعود الخارقة. فالمرشح لا يتحدث عن الصلاحيات القانونية أو الإمكانات المالية أو الإكراهات المؤسساتية، وإنما يقدم حلولًا سحرية لكل شيء: تشغيل العاطلين، بناء المستشفيات، إصلاح الطرق، جلب الاستثمارات، القضاء على الفقر وتحويل الجماعة إلى نموذج تنموي في زمن قياسي.
إنها وعود تتجاوز في كثير من الأحيان حدود اختصاص المنتخب وإمكانات المؤسسة التي يترشح لتمثيلها.
والسمة الرابعة هي تعويض ضعف المشروع بقوة الصورة. صور مع المواطنين، صور في الأسواق، صور مع المسنين، صور أثناء توزيع المساعدات، وصور في المساجد والمناسبات الاجتماعية. حيث تتحول الحملة إلى عملية علاقات عامة مكثفة، يصبح فيها المشهد أهم من المضمون، والانطباع أهم من البرنامج، والشخص أهم من المؤسسة.
إن هذا المخلوق الانتخابي لا يبيع برنامجًا بقدر ما يبيع الأمل السريع. فهو يعرف جيدًا أن المواطن الذي يعاني البطالة لا يريد بالضرورة سماع محاضرة حول سياسات التشغيل، وأن الأسرة التي تفتقد إلى الخدمات الصحية لا تحتاج إلى خطاب تقني طويل، بل تريد أن تسمع جوابًا بسيطًا ومطمئنًا: «سنحل المشكلة»؛ وهنا يبدأ استثمار اليأس. وحتى يكتمل المشهد يصنع عدوا انتخابيا مثلا المجلس السابق، الحزب المنافس، المنتخبون القدامى، الإدارة، أو أي طرف يمكن تحميله مسؤولية كل الإخفاقات. ثم يُقدم المرشح نفسه باعتباره البديل القادر على إنقاذ الوضع.
بعد ذلك يأتي البرنامج الانتخابي، الذي قد يكون في بعض الحالات مجرد تجميع لعبارات براقة من قبيل «الحكامة»، و«الرقمنة»، و«التنمية المستدامة»، و«المدينة الذكية»، و«الاقتصاد الاجتماعي». لكن السؤال الذي يغيب غالبًا هو: ما الكلفة؟ من يملك صلاحية التنفيذ؟ ما الجدول الزمني؟ وما الموارد المالية والبشرية المطلوبة؟
عندما تغيب هذه الأسئلة، يتحول البرنامج إلى وثيقة دعائية أكثر منه عقدًا سياسيًا.
ثم تأتي المرحلة الأكثر حساسية: تحويل الحاجة الاجتماعية إلى أداة انتخابية. هنا قد لا يتم شراء الصوت بشكل مباشر، وإنما عبر شبكة من الوعود الشخصية والوساطات والخدمات: رخصة، تدخل إداري، مساعدة، توظيف أحد الأقارب، أو تسوية ملف؛ وبهذه الطريقة، يُختزل المواطن من مواطن له حقوق إلى شخص ينتظر «خدمة» من المرشح، ويتحول الحق الدستوري في التصويت إلى نوع من المقايضة غير المعلنة.
لكن ما إن تنتهي الحملة ويجلس المنتخب على كرسي المسؤولية حتى يبدأ شيء يشبه عملية «تبخر البرنامج».
السبب الأول بسيط: بعض الوعود لم تكن أصلًا ضمن صلاحيات المنتخب. فرئيس الجماعة، مثلًا، لا يستطيع أن يخلق وظائف في القطاع العمومي بإرادته، ولا أن يبني مستشفى جامعيًا بقرار فردي، ولا أن يغير السياسات الوطنية في التعليم أو الصحة أو التشغيل.
والسبب الثاني أن الهدف الانتخابي يكون قد تحقق. فإذا كانت الانتخابات بالنسبة إلى المرشح غاية في حد ذاتها، فإن الوصول إلى المقعد يعني نهاية المهمة الانتخابية، لا بدايتها.
أما السبب الثالث فيرتبط بضعف ثقافة المحاسبة السياسية. المواطن قد يحتج ويغضب وينتقد، لكنه في كثير من الأحيان لا يمتلك آليات مؤثرة لتحويل هذا الغضب إلى محاسبة سياسية مستمرة.
وهكذا تدخل العلاقة في دائرة مغلقة: وعود في الحملة، انتظار بعد الانتخابات، خيبة أمل خلال الولاية، ثم وعود جديدة في الانتخابات التالية.
والأخطر من الكذب هو قتل الثقة في الديمقراطية؛
المشكلة في «الكائن الانتخابي الموسمي» لا تتوقف عند حدود الكذب على الناخب. الخطر الأكبر هو الأثر الذي يتركه على علاقة المواطن بالسياسة والمؤسسات الديمقراطية. فعندما تتكرر التجربة، يبدأ المواطن في الاعتقاد بأن «الجميع متشابهون»، وأن الانتخابات لا تغير شيئًا، وأن السياسة مجرد وسيلة للوصول للمصالح الشخصية. وعندما تتآكل الثقة، تتراجع المشاركة السياسية، ويزداد العزوف، ويصبح المجال العام أكثر قابلية للاختراق من طرف أصحاب المال والنفوذ.
وهنا تكمن المفارقة: الذي يقتل السياسة باسم الانتخابات قد يكون هو نفسه المستفيد الأكبر من عزوف الناس عنها. فكلما تراجع المواطن الواعي عن المشاركة، ارتفعت قيمة المال والعلاقات الشخصية والشبكات الزبونية في تحديد النتائج. وكلما تحولت الانتخابات إلى منافسة بين الأشخاص بدل المشاريع، وأصبح الناخب أكثر عرضة للتأثير اللحظي، وأصبحت الديمقراطية نفسها مجرد واجهة لإعادة إنتاج النخب ذاتها.
لمواجهة الكائنات الانتخابية الموسمية لا يجب البدأ فقط من القوانين، وإنما من تحويل المواطن من متلقٍّ للوعود إلى مراقب ومحاسب.
لا ينبغي أن يكون السؤال الأول للمرشح: «ماذا ستفعل؟»، بل: ماذا فعلت قبل أن تطلب صوتي؟
أين كنت خلال السنوات الماضية؟ ما مواقفك من قضايا منطقتك؟ ما الذي أنجزته؟ وما الذي أخفقت فيه؟ وما حدود مسؤوليتك في الولاية السابقة إن كنت منتخبًا؟
والأهم من ذلك كله، ينبغي أن نقرأ المسار قبل البرنامج، وأن نبحث في مواقف المرشح وسلوكه العام وعلاقته بالمصلحة العامة، بدل الاكتفاء بالصور والوعود والخطابات العاطفية.
فالانتخابات ليست موسمًا لتوزيع الابتسامات، وليست مناسبة لتسويق الأحلام. إنها لحظة لاختيار من سيمارس السلطة باسم المواطنين ولحسابهم.
إن الصوت الانتخابي ليس ورقة تُمنح مقابل خدمة عابرة، ولا هدية شخصية، ولا صدقة سياسية. إنه تفويض مؤقت بالتمثيل، والتفويض يقتضي المحاسبة.
ستعود الكائنات الانتخابية الموسمية في الاستحقاق المقبل، وربما بوجوه أكثر أناقة، وخطابات أكثر احترافًا، وصور أكثر لمعانًا، ووعود أكبر من أي وقت مضى.
لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا سيبيعون هذه المرة؟ ؛ بل هل تغير الناخب؟
فالسوق الانتخابية لا تستمر في بيع الوهم إلا عندما تجد من يشتريه













