الهروب الكبير.. هل ضاق الوطن بأبنائه؟

منذ 3 ساعات
الهروب الكبير.. هل ضاق الوطن بأبنائه؟

بقلم : ليلى بهلولي

​تخوض المجتمعات الإنسانية في مسار تطورها رهانات كبرى ترتكز بالأساس على مدى قدرتها على احتضان طاقاتها الشابة واستثمار مؤهلاتها لبناء المستقبل، وفي هذا السياق يقف المغرب اليوم أمام اختبار اجتماعي وديموغرافي بالغ الأهمية، كون الفئة الناشئة تشكل الثروة الحقيقية والركيزة الأولى لأي نهضة تنموية مرتقبة.

غير أن الواقع الراهن يكشف عن شرخ عميق وفجوة خطيرة في هذه العلاقة؛ إذ تحولت الهجرة غير النظامية نحو الضفة الأخرى لدى شريحة واسعة من الشباب من مجرد طموح فردي لتحسين ظروف العيش إلى خيار اضطراري ونزيف مجتمعي يلتهم أمل المستقبل. فما هي الدوافع الرئيسية التي تدفع بالشباب المغربي إلى ركوب أخطار المجهول؟ وكيف أسهمت الاختلالات التنموية في تعميق شعورهم بالإحباط والعزلة؟.

​تتجلى خطورة هذا الواقع فيما شهدته منافذ العبور نحو مدينة سبتة المحتلة منذ بداية الاسبوع الجاري وحتى صباح اليوم من محاولات هجرة غير مسبوقة للشباب والأطفال والنساء، والتي قاربت 1600 شخص بحسب وسائل إعلام إسبانية، والتي أضحت في جوهرها هروباً اضطرارياً ونزيفاً علنياً يلتهم طاقات البلاد ويدق ناقوس الخطر؛ فعندما يقدم شاب أو شابة في مقتبل العمر على ركوب أهوال البحر واستبدال الأمان برحلة محفوفة بالمخاطر ضئيلة النجاة، فهما لا يتخليان عن الوطن كجغرافيا فقط، وإنما يفران من واقع مرير يطغى عليه الانسداد التنموي والإحباط المتراكم. وتتعدد أسباب هذا الخيار المر لتتقاطع فيها الاختلالات الاقتصادية بالهشاشة الاجتماعية، وصولاً إلى قصور ملموس في التأطير المدني والإعلامي.

​ولعل أولى عقبات هذا المسار المأساوي تبدأ من الفجوة العميقة بين مخرجات التكوين الأكاديمي والمهني ومتطلبات سوق الشغل المتغيرة؛ حيث تستمر المنظومة التعليمية بالمغرب في اعتماد التلقين والحفظ وتقديم معارف تقليدية تنفصل عن احتياجات الواقع، فضلاً عن عجزها عن تزويد الطلبة بالمهارات الحديثة وتطوير قدراتهم الذاتية، مما ينجم عنه اتساع رقعة الفقر والبطالة في مختلف ربوع المملكة، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، شاملة حاملي الشهادات العليا وغيرهم، ليتحول التعليم من جسر للترقي الاجتماعي إلى حلقة مفقودة في مسلسل التهميش الطويل. وهو ما تزكيه الأرقام الرسمية، إذ أشار التقرير السنوي لسنة الماضية لبنك المغرب حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية، المرفوع إلى صاحب الجلالة، مؤكداً أن معدل البطالة بلغ مستويات قياسية تستوجب الوقوف عندها ببالغ القلق.

​وتزداد الصورة سوءاً حين يصطدم من حالفهم الحظ بالاندماج في سوق الشغل ببيئة عمل قاسية وعقليات تدبيرية مجحفة؛ حيث تطغى هيمنة بعض فئات “الباطرونا” في القطاع الخاص، ويمارس تقزيم الأجور وتهميش الحقوق الأساسية للعمال، لتتحول بيئة العمل نفسها من مصدر للاستقرار الاجتماعي إلى عنصر طارد يُفقد الشاب كرامته وحافزه على العطاء.

وما يفاقم هذه الوضعية الحَرِجة هو الغياب الملموس لمنافذ التنفس الاجتماعي والخدماتي، بداية من ضعف الرعاية الصحية والأنشطة الترفيهية، وصولاً إلى تراجع الدور الحقيقي للمجتمع المدني؛ فبدلاً من أن تشكل الجمعيات التي تستفيد من الدعم العمومي ملجأ للإنصات والتأطير الميداني للشباب والأطفال، مال جزء كبير منها إلى التهافت على البروتوكولات والاستعراض الرقمي بنشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي دون إنجازات واقعية يلمسها المواطن، مما يترك الشباب في مواجهة التهميش بمفردهم دون موجه أو ناصح أمين.

​ويكتمل هذا المشهد المؤلم بالموقف المحير للإعلام العمومي ومنابر البحث عن الإثارة “البوز”، التي يُفترض فيها أن تكون الحصن الأول لتوعية الناشئة وطرح النقاشات التنموية الجادة، غير أن الواقع يظهر استعراضاً متواصلاً في تقديم برامج الترفيه السطحي وتقديس أخبار المشاهير الفارغة على حساب القضايا الهيكلية للمجتمع.

وهنا يطرح السؤال نفسه بمرارة عن الجدوى من هذه البهرجة التلفزيونية والحرص عليها في وقت تحتاج فيه البلاد إلى برامج تنموية وتربوية ترفع من مستوى الوعي وتفتح آفاق التفكر والحلول؛ إذ إن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية تقتضي بالضرورة الانتقال من منطق التبرير إلى المواجهة بشجاعة، عبر إصلاح منظومات متداخلة تشمل التعليم والصحة وحماية حقوق العمال، وتفعيل الدور الحقيقي للمجتمع المدني والإعلام لبناء الإنسان وإعادة الأمل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.