“الانتخابات التشريعية” .. البادية تواصل صناعة الخريطة البرلمانية

منذ 58 دقيقة
“الانتخابات التشريعية” .. البادية تواصل صناعة الخريطة البرلمانية

كلاش بريس / الصورة تعبيرية 

كشفت النتائج التفصيلية للانتخابات التشريعية الأخيرة عن استمرار اعتماد الأحزاب السياسية الكبرى على العالم القروي في حصد المقاعد البرلمانية، بعدما أظهرت الأرقام أن الجزء الأكبر من مقاعد الأحزاب الثلاثة الأولى جاء من الدوائر القروية، في مؤشر يعيد النقاش حول دور رؤساء الجماعات المحلية وشبكات النفوذ الانتخابي في توجيه نتائج الاقتراع.

فمن أصل 228 مقعدا حصلت عليها الأحزاب الثلاثة المتصدرة، حصدت 139 مقعدا في الدوائر القروية، مقابل 89 مقعدا في الدوائر الحضرية. وهي أرقام تكشف أن البادية ما زالت تشكل مجالا أساسيا للتنافس الحزبي، وأن الطريق نحو مجلس النواب لا تمر بالضرورة عبر المدن الكبرى، بقدر ما تمر في عدد من الدوائر عبر الجماعات القروية ومراكز النفوذ المحلي.

وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة هذا المشهد بحصوله على 63 مقعدا قرويا من أصل 97 مقعدا، بينما حصد التجمع الوطني للأحرار 40 مقعدا قرويا من أصل 66، وحزب الاستقلال 36 مقعدا من أصل 65. وتعني هذه الأرقام أن الأحزاب الثلاثة لم تبن نتائجها أساسا على المدن، بل اعتمدت بشكل واضح على الدوائر القروية التي تحولت إلى رافعة انتخابية حاسمة في تحديد ترتيبها وحجم تمثيليتها داخل البرلمان.

هذا التوجه يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة التي تربط الأحزاب بالمنتخبين المحليين، خصوصا رؤساء الجماعات القروية، الذين يتوفر عدد منهم على نفوذ واسع داخل مناطقهم، بحكم قربهم اليومي من الساكنة وإشرافهم على تدبير الشؤون المحلية وعلاقاتهم بمختلف الفاعلين.

ففي عدد من المناطق القروية، لا يتوقف التنافس الانتخابي عند شعبية المرشح أو قوة برنامجه، بل يمتد إلى شبكة العلاقات التي ينسجها مع المنتخبين المحليين والأعيان والفاعلين الذين يمتلكون تأثيرا مباشرا في محيطهم. ويصبح رئيس الجماعة، في بعض الحالات، حلقة أساسية في بناء التحالفات الانتخابية، بالنظر إلى قدرته على تعبئة الناخبين ومعرفته الدقيقة بالخريطة الانتخابية ومراكز التأثير داخل دائرته.

وتتردد في عدد من الأوساط الانتخابية روايات عن تدخلات محلية تتجاوز مجرد التعبئة السياسية، لتصل في بعض المناطق إلى توجيه الناخبين نحو التصويت لفائدة أسماء محددة. وهي ممارسات، متى ثبتت، تطرح إشكالا حقيقيا بشأن حرية الاختيار داخل مكاتب التصويت، ومدى قدرة المواطن على اتخاذ قراره الانتخابي بعيدا عن نفوذ المنتخبين المحليين وشبكات المصالح.

واللافت أن هذا الرهان على العالم القروي لا يبدو مرتبطا بحزب واحد دون غيره، بل تعكسه نتائج الأحزاب الثلاثة الأولى، التي حصدت مجتمعة 139 مقعدا في الدوائر القروية. وهو ما يفسر الحضور المكثف للمرشحين والقيادات الحزبية في القرى خلال الحملات الانتخابية، وسعيهم إلى بناء تحالفات مع رؤساء الجماعات والمنتخبين المحليين، باعتبارهم فاعلين يمتلكون معرفة دقيقة بالخريطة الانتخابية وبمراكز التأثير داخل دوائرهم.

وفي المقابل، تكشف نتائج حزب العدالة والتنمية عن نموذج مختلف، بعدما حصل على 43 مقعدا في الدوائر الحضرية مقابل 11 مقعدا فقط في الدوائر القروية، من أصل 54 مقعدا. وهو توزيع يبرز اختلاف طبيعة القاعدة الانتخابية للحزب عن الأحزاب الثلاثة الأولى.

وتضع هذه المعطيات الأحزاب السياسية أمام سؤال جوهري: هل تتجه إلى القرى باعتبارها مجالا لبناء قاعدة انتخابية قائمة على البرامج والمشاريع والاستجابة لمطالب الساكنة، أم أن جزءا من رهاناتها الانتخابية يستند إلى علاقات النفوذ المحلي التي توفرها بعض الجماعات ورؤساؤها؟

فالأرقام وحدها لا تثبت وجود توجيه للأصوات أو تدخل غير مشروع في إرادة الناخبين، لكنها تكشف بوضوح أن العالم القروي أصبح أحد المفاتيح الرئيسية للوصول إلى البرلمان، وأن رؤساء الجماعات والفاعلين المحليين يحتلون موقعا مهما في الحسابات الانتخابية للأحزاب الكبرى.

وبينما تتجه الأنظار عادة إلى المدن الكبرى باعتبارها فضاء للتنافس السياسي والإعلامي، تظهر نتائج الانتخابات أن جزءا كبيرا من الحسم البرلماني يجري في دوائر قروية، حيث تتداخل المنافسة الحزبية مع العلاقات المحلية وشبكات المصالح، ويظل استقلال القرار الانتخابي أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الممارسة الديمقراطية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.