في سابقة قد تكون الأولى من نوعها في تاريخ التدبير الجماعي بالمغرب، اختارت رئيسة المجلس الجماعي لسطات، رفقة عدد من أعضاء المجلس، الاعتصام أمام مرفق عمومي تملكه الجماعة، احتجاجًا على استمرار استغلاله رغم مباشرة مسطرة الإفراغ.
ولا أود هنا مناقشة مفهوم الاعتصام باعتباره شكلًا من أشكال الاحتجاج، وإنما أتساءل عن الرسائل التي أرادت الرئيسة تمريرها، ومن هي الجهات التي كانت تخاطبها.
هل كانت الرسالة موجهة إلى السلطة المحلية، باعتبارها الجهة التي واكبت مسطرة التنفيذ، لتقول إن التنفيذ لم يحقق الغاية التي صدر من أجلها الحكم؟
أم كانت رسالة إلى الجهات المكلفة بالتنفيذ، مفادها أن ما جرى لم يكن تنفيذًا كاملًا، وأن المرفق ظل خارج السيطرة الفعلية للجماعة؟
وهل كانت الرسالة موجهة إلى القضاء؟ ليس اعتراضًا على الحكم، بل على مآله. فكأن الاعتصام يفيد إن المشكلة لم تعد في إصدار الأحكام، وإنما في تنفيذها. وإن العدالة لا تكتمل بمجرد النطق بالحكم، بل عندما يجد طريقه إلى التنفيذ الكامل. فإذا انتهى التنفيذ إلى إبقاء الوضع على ما كان عليه، فإن السؤال يصبح محرجًا: من الذي يملك القدرة على إفراغ حكم قضائي من أثره العملي؟
أم أن الرسالة كانت موجهة إلى الرأي العام، لتقول إن الجماعة استنفدت كل ما بوسعها، وإن هناك جهات أخرى تتحمل مسؤولية استمرار هذا الوضع؟
لكن، مهما تعددت الرسائل، فإنها تبقى ناقصة ما دامت لم تسمِّ الجهة المقصودة بها. فالاعتصام قد يلفت الانتباه، لكنه لا يكشف الحقيقة. والإيحاء لا يعوض التصريح، والرمز لا يغني عن تحديد المسؤولية.
ويبرز هنا سؤال آخر لا يقل أهمية: هل كانت هذه الوقفة الاحتجاجية تعبيرًا عن موقف المجلس الجماعي بكل مكوناته، أم أنها كانت مبادرة لرئيسته وبعض الأعضاء فقط؟ وهل جرى إخبار جميع العضوات والأعضاء ودعوتهم للمشاركة فيها، باعتبارها خطوة ذات طابع مؤسساتي، أم أن الأمر اقتصر على عينة محددة اختيرت وفق اعتبارات لا تعلمها إلا السيدة الرئيسة؟ فإذا كان الاحتجاج باسم مؤسسة منتخبة، فمن حق الرأي العام أن يعرف ما إذا كان يعكس إرادة المجلس أم إرادة جزء منه. أما إذا كانت حسابات الاصطفاف والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة قد حضرت في اختيار المشاركين، فإن الوقفة تنتقل من فعل مؤسساتي إلى فعل سياسي ذي خلفيات انتخابية، وهو ما يفرض بدوره مزيدًا من الوضوح والشفافية.
وبالتالي إذا كانت رئيسة الجماعة مقتنعة بأن تنفيذ الحكم قد أُفرغ من مضمونه، فإن واجبها لا يقف عند حدود الاحتجاج، بل يبدأ منها. فمن الذي أفرغ التنفيذ من مضمونه؟ ومن الذي حال دون بلوغ الحكم غايته؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية أو الإدارية أو القانونية عن ذلك؟
إن المدينة لا تحتاج إلى رسائل مشفرة، بل إلى حقائق واضحة. وإذا كانت الرئيسة تمتلك معطيات عن الجهات التي حالت دون التنفيذ الكامل، فإن الشجاعة السياسية تقتضي أن تكشفها للرأي العام، وأن تضع كل طرف أمام مسؤوليته. أما إذا بقيت الرسائل بلا عناوين، والأسئلة بلا أجوبة، فسيظل الاعتصام حدثًا استثنائيًا في شكله، لكنه ناقص في رسالته.
فالشجاعة ليست في الوقوف أمام بوابة مرفق عمومي للاحتجاج، وإنما في قول الحقيقة كاملة،والوقوف أمام المواطنين للكشف عن من أفرغ تنفيذ الحكم من مضمونه، والحقيقة أيضًا بشأن من يمثل هذا الاحتجاج، ومن يتحدث باسم المجلس الجماعي. فحماية هيبة القضاء، واحترام المؤسسات، وصيانة ثقة المواطنين، لا تتحقق بالرسائل المشفرة، وإنما بتسمية المسؤوليات، وكشف الوقائع، ومصارحة الرأي العام دون انتقائية أو حسابات انتخابية، لأن الصمت عن تسمية المسؤولين لا يحمي المؤسسات، بل يحمي المسؤولين عن إضعافها، ويحوّل تنفيذ الأحكام إلى مجرد مشهد يفتقد لأثره القانوني وهيبته الدستورية.



















