كيف تختار الدول الديمقراطية الحقة إدارة الأزمات عندما تكون مصالحها الاستراتيجية أكبر من الخلافات الظرفية.

منذ 6 ساعات
عثمان باقة
عثمان باقة

في العلاقات الدولية، لا تقاس قوة الدول فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، وإنما أيضا بقدرتها على اختيار الكيفية التي تدير بها تلك الأزمات. فالدبلوماسية ليست مجرد ردود أفعال على الأحداث، بل هي فن الموازنة بين الوقائع والمصالح، وبين الضغوط الداخلية والرهانات الاستراتيجية، وبين ما يرضي الرأي العام وما تقتضيه المصلحة العليا للدولة. ولعل أزمة الهجرة الأخيرة نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين تقدم نموذجا بالغ الدلالة على هذا المعنى.

فقد رافقت تلك الأحداث موجة واسعة من التعليقات السياسية والإعلامية، داخل المغرب وخارجه، خاصة مع تداول مقاطع فيديو على نطاق واسع تظهر تحرك مجموعات كبيرة من المهاجرين عبر وسائل النقل والطرقات المؤدية إلى شمال المغرب، فضلا عن تصريحات بعضهم التي أعلنوا فيها أنهم قرروا مغادرة المغرب نهائيا بحثا عن حياة أفضل في الضفة الأخرى من المتوسط. وقد أثارت تلك المشاهد نقاشا مشروعا وتساؤلات عديدة، بل دفعت بعض الأصوات إلى الجزم بأن ما وقع لا يمكن أن يحدث دون علم السلطات المغربية، بينما ذهب آخرون إلى اعتباره رسالة سياسية موجهة إلى مدريد على خلفية زيارة رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر وما رافقها من اتفاقات وتأويلات قيل إنها قد تمس بالمصالح المغربية، غير أن المثير في هذه الأزمة لم يكن تعدد التأويلات، وإنما الطريقة التي اختارت بها الدولة الإسبانية التعامل معها.

فقد خرج وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، بتصريحات رسمية واضحة، لم يحمل فيها المغرب أي مسؤولية عن موجة الهجرة، بل أكد أن الرباط تعاونت منذ اللحظة الأولى مع السلطات الإسبانية، وسهلت عمليات إعادة أغلبية المهاجرين في وقت قياسي، ووجه المسؤولية إلى شبكات الاتجار بالبشر، وإلى حملات التضليل الرقمي التي استغلت تأويلات مغلوطة لبعض الأحكام القضائية الإسبانية لإيهام آلاف الشباب بإمكانية الاستقرار في إسبانيا بمجرد الوصول إليها.

وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا اختارت مدريد هذا الخطاب، رغم أن الرأي العام كان ينتظر منها ربما توجيه أصابع الاتهام إلى المغرب؟

الجواب لا يوجد في الإعلام، وإنما في نظريات العلاقات الدولية. فالدول لا تبني مواقفها الرسمية على الانطباعات أو على ما تتناقله شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما على حسابات المصالح. الاستراتيجية. وكانت الحكومة الإسبانية تدرك أن المغرب ليس مجرد دولة مجاورة، بل هو شريك لا غنى عنه في ملفات الهجرة، ومكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، وأمن البحر الأبيض المتوسط، والتعاون الاقتصادي، والربط الطاقي، والاستقرار الإقليمي. ومن ثم، فإن أي خطاب تصعيدي كان سيقوض سنوات من بناء الثقة، ويضر بالمصالح الإسبانية قبل أن يضر بالمغرب.

وهذا ما يسميه خبراء واساتذة العلاقات الدولية: دبلوماسية إدارة الأزمات، وهي الدبلوماسية التي تبحث عن احتواء الخلاف بدلا من تعميقه، وعن معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة بدلا من البحث عن خصم سياسي أو إعلامي.

إن ما يلفت الانتباه في التصريحات الإسبانية هو أنها لم تنكر وجود الأزمة، ولم تقلل من خطورتها، لكنها رفضت في المقابل اختزالها في اتهام سياسي للمغرب. وبدلا من ذلك، أعادت تعريف طبيعة التهديد، معتبرة أن الخطر الحقيقي يكمن في شبكات الاتجار بالبشر، وفي التضليل الرقمي، وفي الاستغلال الإجرامي لأحلام آلاف الشباب الباحثين عن مستقبل أفضل. وهذا التحول في توصيف الأزمة يعكس تطورا مهما في الفكر الأمني المعاصر، حيث لم تعد التهديدات تنبع فقط من الدول، وإنما أصبحت تصنعها أيضا الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، والحملات الرقمية المنظمة، والفاعلون غير الحكوميين الذين يمتلكون قدرة متزايدة على التأثير في الأمن والاستقرار.

كما أن هذا الموقف الإسباني يحمل رسالة سياسية بالغة الأهمية إلى أولئك الذين سارعوا إلى تفسير أحداث سبتة ومليلية باعتبارها رد فعل مغربيا على الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر. فلو كانت مدريد مقتنعة فعلا بهذا التفسير، لكان من الطبيعي أن تتبناه في خطابها الرسمي، وأن تستثمره سياسيا ودبلوماسيا. غير أن الذي وقع كان العكس تماما؛ إذ فضلت الحكومة الإسبانية إغلاق باب التأويلات، والإبقاء على قنوات الثقة والتعاون مع المغرب.

ومن هنا، فإن الدرس الحقيقي الذي تقدمه هذه الأزمة لا يتعلق بالهجرة في حد ذاتها، وإنما يتعلق بكيفية إدارة العلاقات بين الدول. فالدبلوماسية الرصينة لا تبحث دائما عن المذنب، وإنما تبحث عن حماية المصالح العليا للدولة. وهي تدرك أن الجغرافيا لا تتغير، وأن حسن الجوار ليس شعارا أخلاقيا فقط، بل هو ضرورة استراتيجية. ولذلك، فإن الدول التي تربطها مصالح متشابكة لا تجعل من كل أزمة مناسبة لتبادل الاتهامات، وإنما فرصة لتعزيز التعاون، وتصحيح الاختلالات، ومنع الخصوم الحقيقيين من استثمار التوتر.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من الموقف الإسباني هو أنه أعاد الاعتبار لمنطق الدولة على حساب منطق الانفعال. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض المنابر الإعلامية، وبعض الأصوات السياسية، تدفع نحو تأزيم العلاقات المغربية الإسبانية، جاءت وزارة الخارجية الإسبانية لتقول، بوضوح، إن الشراكة مع المغرب خيار استراتيجي، وإن معالجة أزمة الهجرة لا تكون بتصدير الاتهامات، وإنما بتعزيز التعاون الأمني والقانوني والإنساني بين البلدين.

لقد قدمت مدريد، في هذه المناسبة، درسا في الدبلوماسية الواقعية، وأثبتت أن الدول الناضجة لا تجعل من كل أزمة سببا لنسف ما راكمته من ثقة، ولا تسمح بأن تتحول الانفعالات الإعلامية إلى سياسة خارجية. فالمصالح الاستراتيجية تبقى، أما الأزمات فتمضي، والشراكات التي تبنى على المصالح المتبادلة وحسن الجوار هي وحدها القادرة على الصمود أمام الاختبارات. ولذلك، فإن القيمة الحقيقية للموقف الإسباني لا تكمن في أنه برأ المغرب من المسؤولية، وإنما في أنه أعاد النقاش إلى مستواه الصحيح: مستوى الدولة التي تدرك أن أمنها واستقرارها ومستقبلها لا يصان بخطاب التصعيد، وإنما بالحكمة، والواقعية، وحسن إدارة الأزمات، وترسيخ الثقة مع شركائها الاستراتيجيين. لقد أثبتت هذه الأزمة أن نضج الدول لا يقاس بقدرتها على تبادل الاتهامات، وإنما بقدرتها على منع الأزمات من أن تتحول إلى قطيعة سياسية أو دبلوماسية. فالدول التي تمتلك رؤية استراتيجية لا تسمح بأن تحكم علاقاتها الانفعالات الآنية أو الضغوط الإعلامية، بل تجعل من كل أزمة مناسبة لتعزيز الثقة، وإعادة ترتيب الأولويات، وتحصين المصالح المشتركة.

ومن هذا المنطلق، فإن المقاربة الإسبانية تستحق أن تقرأ باعتبارها نموذجا في الدبلوماسية الواقعية الرصينة؛ ليس لأنها أنكرت وجود الأزمة، ولا لأنها تجاهلت الأسئلة التي أثارتها، وإنما لأنها اختارت ألا تجعل من تلك الأسئلة أساسا لإدانة شريك استراتيجي، وأصرت على أن تبنى المواقف الرسمية على الوقائع الثابتة، وعلى تقدير المصالح العليا للدول، وعلى متطلبات حسن الجوار.

وهذا هو الدرس الأعمق الذي تقدمه هذه الواقعة: فالعلاقات الدولية لا تدار بمنطق البحث عن المذنب، وإنما بمنطق البحث عن الحل. أما الدول التي تجعل من كل أزمة مناسبة للتصعيد، فإنها قد تكسب معركة إعلامية عابرة، لكنها تخسر، في المقابل، ما هو أثمن: الثقة، والاستقرار، والشراكات التي تبنى بصعوبة وتهدم بسهولة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.