فتح الله حافظي
لم يعد ملف المركب السياحي “كرين بارك” بمدينة سطات مجرد نزاع عابر حول استغلال مرفق عمومي، ولا مجرد قضية روتينية تنتظر أن تقول فيها العدالة كلمتها الأخيرة. لقد انفجر الملف، في ظرف وجيز، خارج حدوده الأولى، وتحول إلى كرة نار تتدحرج بين أروقة القضاء، وصفحات الأخبار، ومنصات التواصل، ومجالس الناس، حتى صار حديث الساعة، وموضوعًا يثير الفضول والقلق معًا، ويغذي في الآن نفسه الأسئلة أكثر مما يقدم الأجوبة… وبمعنى أدق، أصبح قضية رأي عام.
وهنا بالضبط تبدأ الخطورة، فحين تغيب المعلومة الرسمية الدقيقة، لا يبقى الفراغ فارغًا طويلًا، بل تملؤه الروايات المتضاربة، والتأويلات المتسارعة، والاتهامات في أكثر من اتجاه، والتسريبات التي تتناسل كأنها حقائق مكتملة. وحين يتأخر التواصل المؤسساتي، يتحول كل تسجيل أُخرج من سياقه إلى دليل، وكل منشور إلى شهادة، وكل همسة إلى خبر، وكل صمت إلى وقود جديد للإشاعة. وهكذا، بدل أن يُناقش الملف بمنطق القانون والوقائع، صار يُدار بمنطق الاصطفاف والاصطدام، حيث يبحث كل طرف عن رواية تسانده، لا عن حقيقة تنصف الجميع.
لقد خرج الملف من أروقة المحاكم، ودخل إلى محكمة الرأي العام، وهي محكمة لا تنتظر اكتمال المساطر، ولا تتريث إلى حين صدور الأحكام، بل تصدر أحكامها كل ساعة، وتعيد تشكيل قناعاتها كل دقيقة، بناءً على ما يصلها من صور وتسريبات وتسجيلات وتأويلات، حتى صار الغموض نفسه جزءًا من المشهد.
لكن وسط هذا الضجيج كله، يظل السؤال القانوني هو الأكثر إلحاحًا، والأكثر قدرة على كشف ما وراء الستار.
فهل يوجد في هذه المدينة من هو فوق القانون؟… وسؤال آخر لا يقل أهمية، بل ربما يزيده عمقًا وحرجًا: هل فقدت القاعدة القانونية في هذا الحادث أبرز خصائصها، أي العمومية والتجرد؟ لأن جوهر القانون، في الأصل، أنه لا يُفصَّل على الأشخاص، ولا يُستدعى بحسب المواقع، ولا يُفعَّل أو يُجمَّد وفق ميزان النفوذ أو الاعتبارات الظرفية. فإذا بدا للرأي العام أن القاعدة لم تعد تُطبق إلا على البعض دون البعض الآخر، أو أنها صارت تُقرأ بمنطق الاستثناء بدل العموم، فإن الخلل لا يكون في الواقعة وحدها، بل في صورة العدالة نفسها، وفي الثقة التي يفترض أن تحيط بها.
إن هذا السؤال لا يستهدف شخصًا بعينه، ولا يوجه الاتهام إلى جهة محددة، بقدر ما يلامس جوهر دولة المؤسسات، ويختبر صلابة مبدأ المساواة أمام القانون. ولذلك فإن الرأي العام لا ينتظر سوى أمر واحد: أن تُطبق القواعد القانونية بالوضوح نفسه، وعلى الجميع بالقدر نفسه، لأن العدالة لا تُقاس فقط بما تنتهي إليه الأحكام، بل أيضًا بالطريقة التي تُدار بها الإجراءات، وبما يشعر به المواطن من مساواة وشفافية طوال مسارها.
غير أن ما زاد من تعقيد هذا الملف أن مرحلة التنفيذ نفسها بدت، في نظر كثيرين، ملتبسة أكثر منها واضحة. فقد حضرت مختلف الأطراف المعنية، واستُنفرت الأجهزة، وسادت أجواء أوحت بأن التنفيذ سيتم بصورة نهائية، قبل أن تنتهي العملية إلى واقع مختلف، دون أن يجد الرأي العام تفسيرًا مؤسساتيًا واضحًا لما جرى. ومن هنا لم يكن الالتباس في التنفيذ مجرد تفصيل إجرائي، بل تحول إلى عنصر جديد غذّى التأويلات، ووسّع دائرة الإشاعة، ورسّخ الانطباع بأن الحقيقة لم تُقدَّم كاملة للرأي العام.
وفي دولة القانون، لا يكفي أن تُنفذ الأحكام، بل يجب أن يكون تنفيذها واضحًا وشفافًا ومفهومًا للجميع. فالغموض الذي يحيط بالتنفيذ لا يقل ضررًا عن تأخره، لأنه يفتح المجال أمام الروايات المتناقضة، ويمنح الإشاعة فرصة لتسبق الحقيقة. وهيبة القانون لا تُبنى بالنصوص وحدها، وإنما كذلك بوضوح الإجراءات وشفافية تدبيرها. فمتى غابت هذه الشفافية، اهتزت الثقة في القاعدة القانونية، وصار الناس ينظرون إلى القانون لا باعتباره معيارًا عامًا، بل باعتباره مجالًا تتزاحم فيه التأويلات وتتنازع فيه الروايات.
ولذلك، لم تعد قضية كرين بارك شأنًا يخص أطراف النزاع وحدهم، ولا ملفًا إداريًا أو قضائيًا يمكن حصره داخل الوثائق والمحاضر. لقد أصبحت قضية تمس صورة مدينة سطات نفسها، وتختبر مصداقية مختلف مؤسساتها أمام الرأي العام. فكل يوم يمر دون حسم واضح أو تواصل مسؤول، لا يضيف فقط مزيدًا من الغموض إلى الملف، بل يترك انطباعًا بأن المدينة عاجزة عن تدبير أحد أكثر ملفاتها إثارة للجدل. والمدن لا تُقاس فقط بما تنجزه من مشاريع، بل أيضًا بقدرتها على إدارة أزماتها، وحماية هيبة القانون، وصون ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
لقد تحولت قضية كرين بارك إلى امتحان حقيقي، لا لملف بعينه فقط، بل لمدى احترام المؤسسات لحق المواطنين في المعلومة، ولقدرتها على تدبير الأزمات بعيدًا عن منطق الدعاية والارتباك. وكل يوم يمر دون توضيحات دقيقة، أو يمر دون حسم، يضيف طبقة جديدة إلى الغموض، وصفحة جديدة إلى دفتر الشائعات، ويمنح الإشاعة ما لا تستحقه من حضور ومصداقية، حتى تكاد تبدو أحيانًا أقوى من الحقيقة نفسها.
ستنتهي هذه القضية يومًا، بتنفيذ نهائي وفعلي للحكم أو بما يستجد من مساطر قانونية، لكن ما سيبقى بعدها ليس فقط ما تقرره الملفات، بل ما ستتركه في الذاكرة الجماعية. والدرس الذي سيظل حاضرًا يقول إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مدينة ليس تعدد أزماتها، بل أن تتحول كل أزمة فيها إلى مسرح مفتوح للروايات المتضاربة، لأن الحقيقة تأخرت، ولأن التواصل تأخر معها، فوجدت الإشاعة فراغًا واسعًا ملأته بلا عناء.
وعندما تصبح الإشاعة أسرع من الحقيقة، فالمشكلة لم تعد في الملف وحده، بل في الثقة نفسها… والثقة، إذا تصدعت، لا يكفيها الصمت لترمم، ولا الضجيج ليخفي شقوقها.



















