كلاش بريس / عبد الله عياش
يطل علينا حزب الاستقلال عبر برنامجه الانتخابي ليقدم درساً بليغاً في كيفية انفصال الفاعل السياسي عن واقع المجتمع الذي يزعم تمثيله… إليكم نزار بركة الذي بعتلي حزبه سفينة التدبير الحكومي القدم رؤيته للمستقبل الممتد بين 2026 و2031 عبر مقترح يمنح الشباب خمسة آلاف درهم للتشجيع على الزواج..
هذا امين عام حزب ..بدل أن يقدم “عرض سياسي”، صار بدون حياء يستخف بعقول المواطنين، الشيء الذي يعكس غياباً تاماً لأي دراسة ميدانية أو قراءة واعية لديناميات التحول الاجتماعي في البلاد.
لو كلف واضعو هذا المقترح أنفسهم عناء النزول من أبراجهم العاجية وقراءة الأرقام الرسمية الصادرة عن محاكم الأسرة، أو الاستماع لنبض الشارع في أزقة الأحياء الشعبية والوسطى، لكتشفوا حقيقة ناصعة يدركها الجميع:
المشكلة اليوم ليست في غياب الرغبة في الزواج أو العجز عن توفير “تسقيعة” أولية للتجهيز، بل في المأزق المعيشي الخانق الذي يحول الحياة الزوجية إلى حلبة صراع يومي من أجل البقاء. الواقع يؤكد أن ارتفاع معدلات الطلاق وتفكك الأسر باتا النتيجة الطبيعية لانسداد الآفاق، والبطالة، وتآكل القدرة الشرائية؛ حيث أصبحت العائلات تبحث عن “الفكاك” بالخروج بأقل الأضرار المالية والنفسية من ورطة المصاريف المتراكمة…
في ظل هذا الواقع الكارثي، يأتي البرنامج الانتخابي ليقترح ضخ خمسة آلاف درهم في جيب الشباب وكأن المعضلة تكمن في كلفة ليلة الزفاف، وليس في كلفة استمرار الحياة نفسها بعد انقضاء تلك الليلة.
إن منطق “المنحة الظرفية” هذا يمثل تجسيداً معطوباً للسياسات العمومية، حيث يُستبدل الواجب الدستوري للدولة في خلق الفرص وتوفير الشغل القار والعيش الكريم بأسلوب توزيع الإعانات الموسمية…
ماذا تعني خمسة آلاف درهم لشاب مقبل على تأسيس بيت في ظل أسعار السكن الملتهبة، وارتفاع فاتورة القفة اليومية، وتدهور خدمات التعليم والصحة العمومية؟ هذا المبلغ، الذي يتغنى به الحزب كإنجاز اجتماعي، لن يسدد كراء شهرين في كراج متواضع، ولن يغطي جزءاً يسيراً من تكاليف المعيشة الأساسية لزوجين، ليجد ذلك الشاب نفسه بعد أسابيع قليلة مواجهاً طاحونة غلاء لا ترحم، مستسلماً لديون تتراكم، ومساقاً في نهاية المطاف نحو أبواب محاكم الأسرة ليدفع ضعف ذلك المبلغ في إجراءات المساطير والنفقة.
إن الإصرار على تقديم مثل هذه “المسكنات” الفاقدة لأي روح استراتيجية يطرح علامات استفهام كبرى حول مدى جدية الخطاب السياسي الموجه للمغاربة…
انت يا بركة لا زلت تعتقد ان المغاربة يحتاجون إلى صدقات ظرفية تُعطى باليمين عبر برنامج انتخابي لتُسلب باليسار عبر جحيم الأسعار وتغول غول الاحتكار..
وعندما يصل الاستخفاف السياسي إلى حد الرهان على “منحة زواج” لتمرير برنامج انتخابي لخمس سنوات مقبلة، فإن الأمور تتجاوز حدود الهفوة السياسية لتصل إلى مستوى العجز التام عن فهم التحولات العميقة للمجتمع المغربي…الاخطر انك تعتقد اننا هكذا …والله لو كنت تخاف النسيج الجمعوي والسياسي والنقابي بالبلاد لما قلت هذا الكلام الاعرج













