الساعة الإضافية.. قرار اقتصادي يحتاج تصحيحًا اجتماعيًا

منذ ساعتين
الساعة الإضافية.. قرار اقتصادي يحتاج تصحيحًا اجتماعيًا

كتبته /. سعاد بولعيش

منذ اعتماده بشكل شبه دائم في المغرب، لم يهدأ الجدل حول ما يُعرف بـ“الساعة الإضافية”. فبين من يعتبرها خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا ينسجم مع متطلبات العصر، ومن يراها عبئًا يوميًا يمس راحة المواطنين واستقرارهم، يظل النقاش مفتوحًا ويحتاج إلى مقاربة سياسية أكثر توازنًا وواقعية.

لا يمكن إنكار أن للدولة مبرراتها. فالتقارب الزمني مع الشريك الاقتصادي الأول، يسهل المعاملات التجارية ويعزز جاذبية الاستثمار. كما أن تقليص استهلاك الطاقة في أوقات الذروة هدف مشروع في ظل التحديات الطاقية العالمية. هذه اعتبارات لا ينبغي التقليل من أهميتها، بل تستحق التقدير والنقاش الرصين.

لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل الكلفة الاجتماعية لهذا الاختيار. فخروج التلاميذ في ساعات مبكرة تحت جنح الظلام، واضطراب الساعة البيولوجية لفئات واسعة من المواطنين، خصوصًا في فصل الشتاء، يطرح أسئلة حقيقية حول مدى مراعاة القرار لخصوصيات المجتمع المغربي. كما أن الإحساس العام بعدم الارتياح يعكس فجوة بين القرار العمومي وانتظارات المواطنين.

المشكلة، إذن، ليست في “الساعة” بحد ذاتها، بل في كيفية تدبيرها. فالنقاش العمومي غالبًا ما ينزلق إلى ثنائية حادة: إما القبول المطلق أو الرفض التام، بينما الحقيقة أن الحل يكمن في منطقة وسطى، حيث يمكن التوفيق بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
مقترحات عملية نحو حل متوازن:

أولًا، اعتماد مرونة موسمية حقيقية، من خلال العودة إلى التوقيت العادي خلال فصل الشتاء، وليس فقط في شهر ، بما يراعي الظروف المناخية والاجتماعية.

ثانيًا، إعادة تنظيم الزمن المدرسي، عبر تأخير توقيت الدخول صباحًا، خاصة في المناطق التي تعرف برودة أو ظلامًا طويلًا، مع منح المؤسسات التعليمية هامشًا من الاستقلالية للتكيّف مع محيطها.
ثالثًا، إطلاق حوار وطني تشاركي يضم خبراء الاقتصاد والصحة والتربية، إلى جانب ممثلي المجتمع المدني، من أجل تقييم شامل للسياسة الزمنية الحالية، بدل الاكتفاء بقرارات فوقية.

رابعًا، اعتماد تقييم دوري وشفاف لآثار الساعة الإضافية، ونشر معطيات دقيقة حول مكاسبها الاقتصادية مقابل كلفتها الاجتماعية، حتى يكون النقاش مبنيًا على الأرقام لا الانطباعات.

خامسًا، التفكير في حلول بديلة مبتكرة، مثل اعتماد جداول عمل مرنة في بعض القطاعات، أو تشجيع العمل عن بُعد جزئيًا لتقليل الضغط الزمني على المواطنين.

وأكيد أن تدبير الزمن ليس قرارًا تقنيًا بسيطًا، بل هو اختيار سياسي يعكس علاقة الدولة بمواطنيها. والرهان الحقيقي ليس في فرض توقيت معين، بل في بناء ثقة قائمة على الإنصات والتوازن. فلا اقتصاد قوي دون مجتمع متوازن، ولا قرارات ناجحة دون إشراك فعلي للمواطن.

إن المغرب اليوم في حاجة إلى سياسات عمومية ذكية، لا تكتفي بالنجاعة، بل تراعي الإنسان في تفاصيل حياته اليومية. والساعة الإضافية، بكل بساطة، اختبار حقيقي لقدرتنا على تحقيق هذا التوازن.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة