الترحال السياسي في المغرب وتحول الأحزاب إلى مجرد محطات عبور

منذ 3 ساعات
الترحال السياسي في المغرب وتحول الأحزاب إلى مجرد محطات عبور

بقلم: أمين عميمي

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يتكرر في المغرب مشهد أصبح مألوفاً: منتخبون وفاعلون سياسيون يغادرون أحزاباً قضوا داخلها سنوات، ليلتحقوا بأحزاب أخرى، حاملين الطموحات نفسها، لكن بألوان وشعارات مختلفة.
قد يكون الانتقال الحزبي أحياناً نتيجة خلاف فكري أو تنظيمي مشروع، لكن عندما يصبح مرتبطاً بقرب الانتخابات وبالبحث عن التزكية وفرص الفوز، فإن الأمر يتجاوز الاختيار الفردي ليكشف عن ظاهرة سياسية وسوسيولوجية أعمق وهي الترحال السياسي.
والسؤال هنا ليس فقط لماذا يغير السياسي حزبه؟ بل ماذا يحدث عندما يصبح الحزب مجرد محطة انتخابية، ويصبح المرشح أقوى من التنظيم الذي ينتمي إليه؟
وبالتالي هل نحن امام “حزب الأفكار” أم “المرشح الجاهز”؟
يفترض في الحزب السياسي أن يكون فضاءً لإنتاج الأفكار وتأطير المواطنين وتكوين النخب والوساطة بين المجتمع والدولة. لكن الممارسة الانتخابية تكشف، في بعض الحالات، عن صعود منطق مختلف، يقوم على استقطاب المرشح الذي يمتلك شبكة انتخابية وقابلية للفوز، حتى وإن كان وافداً من حزب آخر.
وتقدم دراسة أكاديمية للباحث عبد المنعم لزعر حول “الترحال الحزبي وتحديد الخريطة الانتخابية بالمغرب” مؤشرات دالة حول هذه الظاهرة خلال انتخابات 2021. فقد رصدت الدراسة 148 حالة لمرشحين وافدين من أحزاب أخرى، تمكن 79 منهم من الفوز بمقاعد برلمانية، أي بنسبة 53.37%.
والأكثر دلالة أن حزب التجمع الوطني للأحرار استقطب، وفق الدراسة، 39 مرشحاً وافداً، فاز منهم 36، أي بنسبة نجاح بلغت 92.3%، بينما استقطب حزب الاستقلال 28 مرشحاً فاز منهم 21.
هذه الأرقام لا تعني أن كل وافد إلى حزب جديد هو بالضرورة “رحّال سياسي”، لكنها تكشف أن استقطاب النخب الانتخابية أصبح جزءاً من الاستراتيجيات الانتخابية، وأن المرشح القادر على جلب الأصوات قد يصبح أحياناً أهم من الانتماء التنظيمي نفسه.
وهنا تتحول العلاقة من الحزب / المرشح / المواطن إلى المرشح / الحزب / المقعد.
وهنا يفقد الانتماء السياسي معناه فالمشكلة لا تكمن في تغيير الحزب بحد ذاته؛ فالاختلاف السياسي والاستقالة من التنظيمات ظاهرة طبيعية في الحياة الديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتماء السياسي مرتبطاً أساساً بالحسابات الانتخابية: موقع أفضل في اللائحة، تزكية مضمونة، أو حظوظ أكبر في الفوز.
عندها يتحول الحزب من مشروع مجتمعي إلى وسيلة للتموقع الانتخابي.
وتزداد الظاهرة خطورة عندما تكون الديمقراطية الداخلية ضعيفة، وعندما تصبح التزكية مرتبطة بالقدرة على الفوز أكثر من ارتباطها بالمسار التنظيمي والكفاءة السياسية.
والنتيجة أن الحزب قد يربح مقعداً باستقطاب “مرشح جاهز”، لكنه يخسر شيئاً من هويته وقدرته على إنتاج نخبه من داخله.
وهنا يولد الترحال العزوف وتصبح الأزمة أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة مشاركة؛ فلا يمكن اختزال العزوف الانتخابي في الترحال السياسي وحده، فهو مرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة. لكن الترحال يساهم في تعميق أزمة الثقة، لأن الناخب يحتاج إلى الشعور بأن صوته موجه إلى مشروع سياسي ثابت.
وتكشف نتائج استطلاع للمركز المغربي للمواطنة عن مفارقة لافتة: 70.6% من المشاركين سبق لهم التصويت، بينما 92% تقريباً غير منخرطين في أي حزب سياسي، كما صرح 91.5% بأن أداء الأحزاب ضعيف.
الأكثر دلالة أن 60.9% لم يشاركوا قط في أي نشاط حزبي.
نحن إذن أمام مواطن قد يذهب إلى صندوق الاقتراع، لكنه لا يجد نفسه داخل الحياة الحزبية.
وهذه المسافة بين المواطن والحزب تكشف أن المشكلة ليست بالضرورة غياب الاهتمام بالسياسة، وإنما فقدان الثقة في الوسائط التقليدية لممارسة السياسة.
“كلهم بحال بحال”… العبارة التي تختصر الأزمة
عندما يرى المواطن السياسي نفسه ينتقل من حزب إلى آخر، ثم يعود إليه في كل انتخابات بالخطاب نفسه تقريباً، تبدأ الفوارق بين الأحزاب في التلاشي داخل وعي الناخب.
وهنا تنتشر العبارة الشعبية: “كلهم بحال بحال.”
قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تحمل دلالة سياسية عميقة لأن المواطن لم يعد يرى أي اختلافٍ جوهري بين التنظيمات. وتزداد خطورة الأمر عندما تصبح البرامج أقل تأثيراً في قرار التصويت. فقد أظهر استطلاع للمركز المغربي للمواطنة أن البرنامج الانتخابي لم يتجاوز تأثيره 8.6% في اختيار الناخب، مقابل نسب أعلى لعوامل أخرى، من بينها المقابل المالي والانتماءات الاجتماعية.
إذا صحت هذه النتائج، فإن السؤال يصبح مشروعاً حول جدوى التنافس السياسي عندما لا يكون البرنامج في صدارة أسباب التصويت؟
هنا يلتقي الترحال السياسي مع أزمة أوسع: كلما تراجع تأثير البرنامج، زادت أهمية الشخص وشبكة علاقاته وقدرته على تعبئة الأصوات، وأصبح الانتقال بين الأحزاب أقل كلفة سياسياً.
في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، بلغت نسبة المشاركة حوالي 50.35% من المسجلين، مقابل 42.29% سنة 2016.
لكن ارتفاع المشاركة لا يعني انتهاء أزمة الثقة.
فجزء من الذين يشاركون قد لا يصوتون انطلاقاً من قناعة إيجابية بحزب أو برنامج، وإنما بدافع رفض حزب آخر أو معاقبته.
وهنا يظهر التصويت العقابي كأحد أشكال التعبير السياسي.
فالناخب لا يملك فقط خيار التصويت لمن يفضله؛ يمكنه أيضاً استخدام صوته لمعاقبة من يعتبره مسؤولاً عن فشل أو إخفاق معين.
وقد يكون هذا النوع من التصويت أكثر إزعاجاً للأحزاب من العزوف نفسه، لأنه يعني أن المواطن حاضر في الانتخابات، لكنه يدخل إليها وهو يحمل حكماً سياسياً سلبياً.
الخلاصة هي أن الترحال السياسي ليس مجرد انتقال سياسي من حزب إلى آخر؛ إنه عرض لأزمة أعمق في العلاقة بين الحزب والمنتخب والمواطن.
عندما يصبح الحزب محطة عبور، والتزكية وسيلة للتموقع، والمرشح أقوى من التنظيم، يبدأ المواطن في فقدان الثقة في جدوى التصويت.
وقد لا تكون المشكلة في أن المواطن لا يهتم بالسياسة، بل في أنه لم يعد مقتنعاً بأن السياسة الحزبية قادرة على تمثيله.
إن إعادة بناء الأحزاب من الداخل عبر ديمقراطية داخلية حقيقية، إصلاح نظام التزكيات، إعطاء الأولوية للمسار النضالي والكفاءة، وإعادة الاعتبار للبرامج بدل الاعتماد المفرط على “المرشح الجاهز” يمكن أن يكون جزء من حل هذه الازمة.
ولهذا فإن انتخابات 2026 لن تكون فقط منافسة على المقاعد والتحالفات، وإنما ستكون أيضاً اختباراً لقدرة الأحزاب على استعادة ثقة الناخب.
هل ستنجح الأحزاب في إقناع المواطن بأن صوته يذهب إلى مشروع سياسي، أم سيظل يذهب إلى أشخاص يتغير لونهم السياسي بتغير موازين الانتخابات؟.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.