كلاش بريس
يعود مشروع النفق البحري الذي يربط بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق إلى واجهة الاهتمام من جديد، في ظل تسارع التنسيق بين البلدين لإخراج واحد من أضخم المشاريع الهندسية في العالم إلى حيز التنفيذ، بعد عقود طويلة ظل خلالها حبيس الدراسات والتصورات النظرية.
هذا المشروع، الذي يُنظر إليه كحلقة وصل مباشرة بين قارتي إفريقيا وأوروبا، يشهد في الآونة الأخيرة دينامية جديدة، خاصة عقب توقيع اتفاق علمي مشترك بين مؤسسات بحثية مغربية وإسبانية، يهدف إلى تعميق الدراسات المرتبطة بطبيعة المنطقة من الناحية الجيولوجية والزلزالية. وتُعد هذه الخطوة أساسية لتقييم المخاطر المحتملة، خصوصًا وأن المضيق يقع في منطقة نشطة جيولوجيًا نتيجة التقاء الصفائح التكتونية.
في السياق ذاته، خصصت الحكومة الإسبانية تمويلًا إضافيًا لدعم الدراسات التقنية المرتبطة بالمشروع، في إشارة واضحة إلى جدية التوجه نحو الانتقال من مرحلة البحث إلى التحضير الفعلي للتنفيذ. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه العالم تطورًا كبيرًا في تقنيات الحفر والهندسة، ما يعزز فرص نجاح المشروع مقارنة بما كان عليه الحال خلال العقود الماضية.
فكرة الربط القاري بين ضفتي المتوسط ليست جديدة، إذ تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين تم الاتفاق بين المغرب وإسبانيا على دراسة إنشاء ممر قار يربط بينهما. غير أن التحديات التقنية والمالية حالت دون تحقيق هذا الطموح، قبل أن تعيد التحولات التكنولوجية والاقتصادية إحياءه من جديد.
ولا تقتصر أهمية المشروع على تسهيل حركة النقل فقط، بل تتعداها إلى أبعاد استراتيجية واقتصادية أوسع، إذ من شأنه تعزيز المبادلات التجارية وتكامل الأسواق بين إفريقيا وأوروبا، خاصة في ظل توفر بنية تحتية متطورة للنقل السككي بالمغرب، يمكن أن تمتد مستقبلاً لتتصل بالشبكة الأوروبية، ما سيقلص زمن التنقل بشكل كبير ويمنح دفعة قوية للاستثمار والتبادل الاقتصادي.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال عدة تحديات تطرح نفسها بقوة، في مقدمتها الحساسية البيئية للمضيق، الذي يعد من أكثر الممرات البحرية نشاطًا في العالم، إلى جانب تعقيدات مرتبطة بالتوازنات الجيوسياسية والهجرة غير النظامية. كما تشكل طبيعة التربة في قاع البحر، خاصة في بعض المناطق غير المستقرة، عائقًا تقنيًا يتطلب حلولًا هندسية دقيقة ومتقدمة.
المعطيات الأولية للمشروع تشير إلى نفق يمتد لعشرات الكيلومترات تحت البحر، بعمق كبير، مع اعتماد تصميم يعتمد على أنبوبين منفصلين للسكك الحديدية وممرات مخصصة للطوارئ، ما يعكس حجم التعقيد التقني الذي يميز هذا الورش الضخم.
وتظل كلفة المشروع من أبرز التحديات، إذ يُتوقع أن تصل إلى مليارات اليوروهات، في مقابل رهانات كبيرة على المدى البعيد، سواء من حيث العائد الاقتصادي أو تعزيز موقع البلدين في خارطة الربط الدولي.
في ظل هذه التطورات، يبدو أن مشروع نفق مضيق جبل طارق لم يعد مجرد فكرة مؤجلة، بل تحول إلى ورش استراتيجي يقترب تدريجيًا من مرحلة التنفيذ، في أفق إحداث تحول نوعي في الربط بين القارتين وإعادة تشكيل ملامح التبادل الاقتصادي بين الشمال والجنوب.
نفق مضيق جبل طارق يعود للواجهة.. المغرب وإسبانيا يسرّعان مشروع الربط بين القارتين


















