من أحمر الشفاه إلى “روث” الأغنام

3 سبتمبر 2026
من أحمر الشفاه إلى “روث” الأغنام

سطات / فتح الله حافظي

كان الأمر سيبدو عادياً لو أن شركة بدأت نشاطها في تجارة مواد التجميل بالجملة قررت أن تضيف، مثلاً، تجارة الملابس الداخلية. فالكريمات والعطور وأحمر الشفاه والملابس الداخلية، رغم اختلافها، تظل تدور في فلك واحد: الجسد وزينته وما يحيط به. أما أن تقفز الشركة من رفوف التجميل إلى استيراد الأبقار والأغنام، فهنا تصبح المفارقة أكبر من مجرد تنويع في النشاط: من أحمر الشفاه إلى قرون الأغنام، ومن العطر إلى العلف، ومن الكريم إلى الكبش!
المفارقة تصبح أكثر دلالة حين يتعلق الأمر، بحسب المعطيات المتداولة، بشركة مرتبطة ببرلماني، وحين يظهر نشاط استيراد الأغنام في سياق أطلقت فيه الدولة برامج دعم لهذا الاستيراد. هنا لا يعود السؤال: لماذا غيّرت الشركة نشاطها (أكتوبر 2023)؟ فهذا حق مشروع للمستثمر. السؤال هو: لماذا الآن؟ ومتى أضيف النشاط؟ وهل تزامن ذلك مع فتح باب الدعم؟ وهل استفادت الشركة منه، وبأي شروط؟
هذه الأسئلة ليست اتهاماً، وإنما هي جوهر الرقابة. فالبرلماني ليس مجرد مستثمر عادي، موقعه السياسي يجعل أي تقاطع بين المصلحة الخاصة والمال العمومي أكثر حساسية، ويجعل الشفافية وتضارب المصالح جزءاً من صميم المسؤولية.
وهنا تحضر، بسخرية مرة، كلمة «الفراقشية». فالفراقشية، في المخيال الشعبي، يعرفون كيف يلتقطون الفرصة ويقرأون اتجاه السوق. أما النسخة الجديدة منهم، فتبدو وكأنها لا تكتفي بقراءة السوق، بل تقرأ أيضاً اتجاه الدعم: أين توجد الدولة، وأين تفتح خزائنها، وأي نشاط يمكن أن يصبح غداً مدعوماً؟
ولا مشكلة في أن ينتقل مستثمر من التجميل إلى المواشي، المشكلة تبدأ عندما يبدو أن الانتقال إلى النشاط الجديد يتزامن مع انتقال الدولة بالدعم إليه. فالدعم العمومي ليس عطراً يُرش على واجهة شركة، ولا قطعة ملابس داخلية تُفصّل على مقاسها. إنه مال عمومي يفترض أن يخضع لقواعد شفافة، وأن يستفيد منه من تتوفر فيه الشروط، بعيداً عن النفوذ والموقع السياسي وتضارب المصالح.
لكن الحكاية تصبح أكثر إثارة حين لا تتوقف المنافسة عند الشركة، بل تمتد إلى العائلة نفسها، التي تتسابق على الترشيح بين برشيد وسطات، وتظهر في المشهد أيضاً صلة بـ«مول الكرة». وهنا يصبح من حق المواطن أن يتساءل، لا أن يتهم: هل نحن أمام مجرد صدفة انتخابية وعائلية، أم أمام شبكة من المواقع السياسية والاقتصادية يجري توزيعها على أكثر من واجهة انتخابية؟
فحين تتقاطع الشركة مع البرلماني، والبرلماني مع العائلة، والعائلة مع أكثر من دائرة انتخابية، ثم يلتقي كل ذلك مع قطاع تستفيد منه الدولة بالدعم، يصبح الحديث عن تضارب المصالح والرقابة أكثر إلحاحاً من الحديث عن مجرد تغيير في النشاط التجاري.
لا نحتاج إلى أحكام جاهزة، بل إلى فتح الملفات: تاريخ تغيير النشاط، شروط الاستيراد، لوائح المستفيدين، قيمة الدعم، ومن يقف وراء الشركات، وما إذا كانت الصفة السياسية قد تقاطعت بأي شكل مع المصلحة التجارية. فالمعلومة الدقيقة وحدها قادرة على الفصل بين الاستثمار المشروع واستغلال النفوذ.
أما إذا كانت كل هذه الخيوط مجرد مصادفات، فليس أمام أصحابها سوى تقديم المعطيات التي تبدد الشك. وإذا لم تكن كذلك، فإن السؤال يصبح أكبر من شركة استوردت الأغنام: من يملك فعلاً خريطة المصالح في هذا المشهد؟
وهنا ربما نفهم سرّ هذا التسابق العائلي على الترشيح بين برشيد وسطات، ومع «مول الكرة» في الخلفية. فالمنافسة الانتخابية، في ظاهرها، بحث عن أصوات الناخبينلكن حين تتقاطع مع المصالح الاقتصادية، يصبح السؤال: هل نتنافس على تمثيل الناس، أم على مواقع النفوذ التي تجعل تمثيل الناس أكثر ربحاً؟
وفي انتظار أن تتكلم الوثائق، تبقى المفارقة ساخرة بما يكفي: شركة تبدأ من أحمر الشفاه وتنتهي عند قرون الأغنام، وعائلة تتوزع انتخابياً بين برشيد وسطات… وكأن الجغرافيا الانتخابية نفسها أصبحت سوقاً أخرى لتوزيع الفرص.
وكان يمكن أن نضحك من حكاية الملابس الداخلية. لكن حين تدخل الأغنام والدعم والبرلمان والعائلة والانتخابات في الجملة نفسها، يتوقف الأمر عن كونه نكتة.
ويصبح السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح:
من يرعى من: السياسة ترعى المال، أم المال يرعى السياسة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.