مقابر مهملة وجماعات غائبة.. من يحفظ حرمة “الروضة” في أولاد عبدون؟

منذ 5 ساعات
مقابر مهملة وجماعات غائبة.. من يحفظ حرمة “الروضة” في أولاد عبدون؟

كلاش بريس / حسين بومهاوتي

يطلق المغاربة على المقبرة اسم “الروضة”، تيمّنًا بأن تكون مثوى موتاهم رياضًا من رياض الجنة، كما وعد الله عباده المؤمنين. ولهذا تحظى المقابر بمكانة خاصة في الوجدان الجماعي، وتُعامل بما يليق من توقير واحترام، شأنها في ذلك شأن المساجد. غير أن هذا الشعور لا يبدو أنه يحظى بالإجماع لدى بعض الجماعات الترابية ومسؤوليها، الذين يغيب عن أولوياتهم الاهتمام بفضاءات دفن الموتى، تمامًا كما يغيب انشغالهم بقضايا الأحياء.

وفي هذا السياق، تبرز مقبرة “العامريات” كنموذج صارخ للإهمال الذي طال هذا المرفق حيث ظلت، إلى وقت قريب، دون باب يحمي حرمتها. واليوم، تزداد الحاجة إلى تأهيلها بشكل يضمن كرامة الموتى وراحة ذويهم، من خلال تهيئة المسالك، وتزفيت الطريق المؤدية إليها، خاصة تلك التي تمر منها سيارات نقل الجنائز، إلى جانب توفير الإنارة، والحراسة، والصيانة الدورية.

الوضع لا يختلف كثيرًا بمقبرة “لعمامرة”، التي تعاني وضعًا أكثر هشاشة، إذ توجد في أرض خلاء دون سور أو سياج يحميها من الاعتداءات. كما تطرح إشكالية الوعاء العقاري لتوسعتها بإلحاح، وهي مسؤوليات تقع بالدرجة الأولى على عاتق الجماعة ورئيسها، الذي تولى مهامه مؤخرًا بعد إبعاد ومتابعة الرئيس السابق.

القانون بدوره واضح في هذا الباب، إذ ينص منشور وزير الداخلية رقم 83 الصادر بتاريخ 29 ماي 2000، والموجه إلى الولاة والعمال، على مسؤولية رؤساء الجماعات في تدبير المقابر الإسلامية وصيانتها، مع التأكيد على ضرورة حمايتها من كل أشكال الإهمال أو الانتهاك. غير أن الواقع يكشف استمرار اختلالات بنيوية، تتجلى في غياب الصيانة، وضعف التجهيزات، بل وافتقار بعض المقابر لأبسط شروط الحماية، في ظل غياب ما يُعرف بـ“شرطة المقابر”، ما يفتح المجال أمام ممارسات مشينة، كالتخريب، والعبث بالقبور، واستغلال هذه الفضاءات من طرف المنحرفين والمشردين.

وفي سياق متصل، كشف تقرير للمجلس الأعلى للحسابات عن محدودية الاعتمادات المالية المخصصة لصيانة المقابر، خاصة في الوسط الحضري، حيث لا تتجاوز 4000 درهم سنويًا لكل مقبرة، مع غياب شبه تام للاعتمادات الموجهة للوسط القروي. وهو رقم يثير أكثر من علامة استفهام حول مدى كفايته، بل وحول مدى صرفه فعليًا على أرض الواقع.

وبالعودة إلى جماعة أولاد عبدون، فإن الحديث عن ارتفاع مداخيلها يطرح سؤالًا مشروعًا حول انعكاس ذلك على التنمية المحلية. إذ تتركز معظم أنشطة الجماعة حول قطاع البناء، من تجزئات ووداديات وعمارات، وهي موارد مالية مهمة، لكن أثرها لا يبدو واضحًا في تحسين المرافق العمومية. فلا مؤسسات تعليمية كافية، ولا مرافق صحية لائقة، ولا فضاءات خضراء أو حدائق عمومية، ولا حتى مساجد، باستثناء ما شُيّد بمبادرات المحسنين. أما السوق، فله حديث آخر.

أمام هذا الواقع، يصبح من الضروري إلزام رؤساء الجماعات بالاطلاع على مقتضيات “الميثاق الجماعي” واستيعاب المهام المنوطة بهم، باعتبارهم مسؤولين عن كل ما يدخل ضمن نفوذهم الترابي، سواء تعلق الأمر بالتنمية أو الصيانة أو إحداث المرافق. غير أن بعض المسؤولين يختزلون أدوارهم في تنظيم مهرجانات موسمية، كعروض التبوريدة أو استقدام فرق غنائية، ويعتبرون ذلك إنجازًا كافيًا، في تغييب واضح لأولويات الساكنة وانتظاراتها.

إن صيانة المقابر ليست ترفًا، بل واجب قانوني وأخلاقي، يعكس مدى احترام المجتمع لموتاه، ووعي المسؤولين بحجم الأمانة الملقاة على عاتقهم.

ومنشور وزير الداخلية يظل وثيقة مرجعية قائمة، تفرض على المعنيين الاطلاع عليها وتفعيل مضامينها، بدل الاكتفاء بتدبير مناسبات عابرة لا تسمن ولا تغني من تنمية حقيقية.

مع

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة