بقلم عثمان باقة
كثر الحديث في الايام الأخيرة عن “حركة” داخل وزارة الداخلية يقوم بها موظفوها من غير رجال السلطة، هدفها ايصال مطالبهم ذات الطابع الاجتماعي : زيادات في الأجور مثل نظراءهم رجال السلطة بمبلغ 7000 درهم ، الشفافية والوضوح في معالجة ملفات الترقية و الحركة الانتقالية ، الشفافية في تسيير مؤسسة الأعمال الاجتماعية وغيرها من المطالب ذات الطابع النقابي الصرف، الأمر الذي يطرح مسألة السماح لهم بالتنظيم نقابية وفق ما تنص عليه الاتفاقية 87، وهو الأمر الذي سينعكس ايجابا عليهم وعلى غيرهم من الموظفين في باقي القطاعات سواء بالوظيفة العمومية أو القطاع الخاص، كيف ذلك؟
نعلم جميعا ان الحق في التنظيم النقابي هو احد الاعمدة الاساسية لمنظومة حقوق الانسان في بعدها الاجتماعي والمهني كما يعد من اهم ضمانات التوازن بين السلطة الادارية وحقوق العاملين داخل المؤسسات العمومية. واذا كان هذا الحق قد اصبح في العديد من الدول قاعدة دستورية ومؤسساتية راسخة فان عددا من القطاعات الحيوية ما يزال يعيش حالة استثناء غير مبررة وفي مقدمتها قطاع وزارة الداخلية. ومن هنا يطرح بإلحاح سؤال مزدوج لماذا لا يزال التنظيم النقابي غائبا داخل هذا القطاع ولماذا لم تتم بعد المصادقة على الاتفاقية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية الخاصة بالحرية النقابية وحماية الحق في التنظيم.
ان الحديث عن التنظيم النقابي داخل وزارة الداخلية لا ينبغي ان يفهم باعتباره مطلبا فئويا ضيقا او سعيا الى اضعاف هيبة الدولة كما قد يتوهم البعض، بل هو في جوهره مطلب اصلاحي يندرج ضمن مسار تحديث الادارة وتعزيز دولة القانون. فالموظفون والعاملون داخل هذه الوزارة على اختلاف مهامهم ورتبهم هم في النهاية اجراء وموظفون عموميون يخضعون لنفس الاكراهات المهنية والاجتماعية التي يعرفها باقي العاملين في قطاعات الدولة بل ان خصوصية مهامهم تجعلهم في كثير من الاحيان اكثر عرضة لضغوط العمل ومتطلباته.
غير ان الاشكال لا يقف عند حدود المطالب المهنية والاجتماعية فحسب بل يتجاوز ذلك الى مسألة اعمق تتعلق بثقافة الحقوق والحريات النقابية داخل اجهزة الدولة. فغياب التنظيم النقابي داخل وزارة الداخلية ساهم الى حد بعيد في غياب الحس الحقوقي والنقابي لدى جزء مهم من هذه الفئة من موظفي الدولة. فحين يحرم الموظف من تجربة العمل النقابي ومن الياته التمثيلية والحوارية فانه غالبا ما يظل بعيدا عن ثقافة الدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية بل وعن الوعي بدور النقابة في حماية التوازن داخل المجتمع.
ان النقابة ليست مجرد اطار للمطالبة بتحسين الاجور او ظروف العمل بل هي ايضا مدرسة في المواطنة الاجتماعية وفي احترام الحقوق والحريات النقابية. ومن هنا فان ادخال التنظيم النقابي الى داخل وزارة الداخلية لن يكون مجرد اجراء اداري او قانوني بل خطوة ذات بعد تربوي ومؤسساتي من شأنها ان تسهم في تعزيز الحس النقابي والحقوقي لدى موظفي هذا القطاع الحيوي.
ومن شأن هذا التحول ان ينعكس ايجابا على مجمل المشهد النقابي والحقوقي في البلاد. فحين يتعزز الوعي النقابي داخل مؤسسة محورية بحجم وزارة الداخلية فان ذلك سيشكل رافعة اضافية لتعزيز ثقافة احترام الحقوق والحريات النقابية في المجتمع ككل خاصة وان هذه الحقوق لا تزال للأسف في مراتب متأخرة في وطننا الحبيب مقارنة بما تنص عليه المعايير الدولية.
وفي هذا السياق تكتسي الاتفاقية رقم 87 الصادرة عن منظمة العمل الدولية اهمية خاصة باعتبارها المرجعية الدولية الاساسية التي تضمن حرية العمال والموظفين في انشاء منظماتهم النقابية والانضمام اليها دون تدخل من السلطات العمومية. وقد اصبحت هذه الاتفاقية اليوم احد المعايير الاساسية التي يقاس بها مدى احترام الدول للحقوق النقابية.
ان عدم المصادقة على هذه الاتفاقية لا ينسجم مع التطور الذي عرفه الخطاب الرسمي حول ضرورة تعزيز الحقوق والحريات ولا مع الالتزامات الدولية المتزايدة في مجال احترام المعايير الاجتماعية العالمية. فالمصادقة عليها لا تعني فتح الباب امام الفوضى داخل اجهزة الدولة بل تعني ببساطة الاعتراف بحق اساسي من حقوق العاملين وتنظيمه في اطار قانوني واضح يحدد الحقوق والواجبات معا.
كما ان اقرار التنظيم النقابي داخل وزارة الداخلية يمكن ان يشكل رافعة لاصلاحات اعمق تتعلق بظروف العمل والحماية الاجتماعية والتكوين المهني والترقية الوظيفية. فالنقابات حين تعمل في اطار قانوني واضح ومسؤول تتحول الى شريك في تحسين الاداء الاداري بدل ان تكون مصدر توتر او صراع.
ومن زاوية اخرى فان تمكين موظفي هذا القطاع من حق التنظيم النقابي ينسجم مع فلسفة الحكامة الجيدة التي تقوم على الشفافية والمساءلة والحوار الاجتماعي. فالادارة الحديثة لم تعد تقوم على منطق الاوامر الصارمة وحدها بل على بناء الثقة بين المؤسسة والعاملين فيها وعلى اشراكهم في التفكير في سبل تطوير المرفق العمومي.
ان المغرب الذي راكم، بفضل تضحيات ونضالات الحركة النقابية وفي عمقها تجربة ك.د.ش، خلال العقود الاخيرة تجربة- رغم تعثرها- في مجال الحوار الاجتماعي مدعو اليوم الى استكمال هذا المسار من خلال توسيع دائرة الحقوق النقابية لتشمل القطاعات التي ظلت الى الان خارج هذا الاطار. فاستثناء قطاع بحجم وزارة الداخلية من هذه الدينامية لم يعد مبررا في سياق التحولات السياسية والمؤسساتية التي يعرفها البلد.
لذلك فان فتح نقاش عمومي هادئ ومسؤول حول التنظيم النقابي داخل وزارة الداخلية والمصادقة على الاتفاقية 87 لمنظمة العمل الدولية ليس فقط مسألة حقوقية او مطلبا نقابيا بل هو خطوة ضرورية في اتجاه بناء ادارة حديثة متوازنة وقادرة على التوفيق بين متطلبات الانضباط المهني واحترام الحقوق الاساسية للعاملين فيها.
ان الدولة القوية ليست تلك التي تخشى تنظيم موظفيها بل تلك التي تؤطر هذا التنظيم في اطار قانوني واضح يجعله رافعة للاستقرار المؤسسي ولتحسين اداء المرافق العمومية. ومن هذا المنطلق يصبح اقرار الحق في التنظيم النقابي داخل وزارة الداخلية والمصادقة على الاتفاقية 87 خطوة اساسية نحو تعزيز ثقافة احترام الحقوق والحريات النقابية وترسيخ الوعي النقابي داخل مؤسسات الدولة بما يخدم في النهاية مشروع بناء دولة ديمقراطية حديثة تحترم كرامة العاملين فيها وتصون حقوقهم.
*عثمان باقة* / الكاتب الإقليمي للكدش بالرباط


















