كتبه “فتح الله حافظي”
لم يكن بيان المجلس الجماعي لمدينة سطات “تواصلاً” بالمعنى النبيل للكلمة، بل محاولة لإدارة الغضب لا لمعالجة أسبابه. بيانٌ صيغ بعناية كي يبدو مسؤولاً، لكنه في جوهر فقرته الأخيرة، كان يبحث عن مخرج: تراجعٌ محسوب خطوة إلى الخلف، وتبرّؤٌ سياسي مُقنّع بعبارات تقنية. مجلسٌ يفترض فيه أن يتحمّل المسؤولية داخل نفوذه الترابي، اختار أن يُلَمِّح أكثر مما يصرّح، وأن يوزّع التهمة على الشركة الجهوية متعددة الخدمات، وكأن التراخيص لم تمر من هنا، وكأن مراقبة الأشغال وإلزام المتدخلين بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه ليس من صميم اختصاصه.
المشكلة أن البيان لم يُنه النقاش… بل فجّره. لأن الشارع لا يسأل عن البلاغات، بل عن الحفر التي التهمت الطرق، وعن سلامة تتآكل، وعن مدينة تُدبَّر بمنطق “دبّر رأسك”. هنا كان يفترض أن يبدأ منطق المساءلة: من رخص؟ من راقب؟ من قصّر؟ من سيصلح؟ لكن ما حدث هو العكس تماماً: انتقلنا بسرعة من سؤال المسؤولية إلى مسرحية الاصطفاف، وكأن أهم ما في الأزمة ليس اختلال التدبير بل اختلال في الصورة.
وفجأة، ظهر بيان رؤساء لبعض الجماعات الترابية بإقليم سطات كـ”ردّ سياسي” لا لتوضيح الوقائع ولا لطمأنة المواطن ( ماشي شغلو )، بل لتحويل الاتجاه: من نقد الاختلالات إلى معركة دفاع. دفاعٌ لا عن مؤسسة عمومية، صوتوا جميعا على تفويت الخدمات اليها… بل دفاع عن مديرة الشركة، وكأنها تحولت بين عشية وضحاها إلى خط أحمر. كأن القضية ليست طرقاً مُخرَّبة ولا تدبيراً مرتبكاً، بل “هيبة” شخص يجب تحصينه من النقد.
وهنا مكمن الفضيحة السياسية: حين تتحول مؤسسة عمومية إلى “رمز حزبي”، وحين يصبح تقييم الأداء “اعتداءً”، وحين يُعامل سؤال المواطن كأنه تهديد يجب إسكاته. بيان الرؤساء لم يتكلم باسم القرى والمراكز التي يمثلونها، بل تكلم بلسان اصطفاف حزبي واحد يرى في كل مساءلة خصومة، وفي كل نقد استهدافاً. بهذه الخلطة السامة تُقتل السياسة مرتين: مرة حين تفشل في الإنجاز، ومرة حين ترفض الاعتراف بالفشل.
ثم لنسأل السؤال الذي يتجاهله صانعو البلاغات عمداً: عن أي “تضامن” يتحدثون؟ هل استُنْفِدت مشاكل جماعاتهم فعلاً؟ هل انتهت أعطاب الطرق والمسالك، والماء والتطهير، والإنارة والنقل، وتدبير النفايات، وحق المواطن في الحد الأدنى من الخدمات؟ هل وصل مواطنو تلك الجماعات الترابية إلى درجة من الرضا تجعل أولوية رؤسائهم الأولى هي الدفاع عن مسؤولة في شركة جهوية؟ إن كان الجواب نعم فليدلّونا على تلك “الفردوسات” المحلية. وإن كان الجواب لا، فنحن أمام تضامن لا علاقة له بالمواطن… بل علاقة له بتوازنات وحسابات انتخابوية.
الأخطر أن سيل البيانات نفسه صار علامة على الخلل، لا على الحل. حين تكثر البلاغات ويقلّ الفعل، فاعلم أن السياسة تتراجع لتترك مكانها للتمويه. وحين تتحول البيانات إلى بديل عن المؤسسات، وإلى أداة لقطع الطريق على السؤال بدل فتحه، فإنها لا تعكس قوة الدولة ولا صرامة التدبير، بل تكشف مؤشراً فاضحاً عن بؤس السياسة: سياسة تشتغل بالإنكار، وتداوي الأزمات بالخطاب، وتستعيض عن المحاسبة بتوزيع الولاءات.
وفي النهاية، يظهر المشهد كاملاً: مجلسٌ يتهرب من مسؤوليته ويلقيها على الشركة، بمبرر يتقاطع فيه الصريح ( مصلحة المدينة ) والضمني ( الانخراط في أجندة مغايرة). ورؤساءٌ لا يسألون عن الحفر بل يسألون عن “الاعتبار”. ومؤسسة عمومية تُستعمل كجدار صدّ. بينما سطات… تدفع الثمن وحدها: طرق ممزقة، حركة مربكة، وسلامة مهددة، وثقة تتآكل مع كل يوم تأخير.
لهذا لم تعد البيانات في هذه القصة وثائق تواصل، بل وثائق إدانة. إنها تدين منطقاً يفضّل حماية الأشخاص على حماية المدينة، ويستبدل المساءلة بالتخندق، ويحوّل أزمة تدبير واضحة إلى صراع ولاءات. لأن الحفرة ليست في شارع فقط… الحفرة الأعمق في معنى السياسة نفسها: من يشتغل لمن؟ ومن يحاسب من؟ ومتى يصبح المواطن، لا المسؤول، هو الخط الأحمر الحقيقي؟


















