سطات : الفائض… حين يصبح الرقم مادة للبلاغ لا للتغيير

18 فبراير 2026
سطات : الفائض… حين يصبح الرقم مادة للبلاغ لا للتغيير

كلاش بريس / بقلم : فتح الله حافظي

في السياسة المحلية، لا تكمن المشكلة في الأرقام بقدر ما تكمن في طريقة تسويقها. إعلان فائض بقيمة مليارين و350 مليون سنتيم يُقدَّم كما لو أنه حدث مالي استثنائي، بينما ترجمته البسيطة إلى لغة الواقع تكشف أنه لا يتجاوز 20 مليون درهم. رقمٌ قد يصلح لعناوين مطمئنة، لكنه بالكاد يلامس هوامش الأسئلة الثقيلة التي تُثقل كاهل مدينة تعاني اختلالات بنيوية واضحة للعيان.

الفائض، في منطق التدبير العمومي، ليس إنجازاً في حد ذاته. قد يكون دليلاً على انضباط، نعم، لكنه قد يكون أيضاً شاهداً صامتاً على بطء، أو تعثر، أو عجز عن تحويل الاعتمادات إلى أوراش. فالمدن لا تُقاس بما تبقى في الحسابات، بل بما تغير في الأرصفة، والإنارة، والنقل، وجودة الفضاء الحضري. وما قيمة فائض يُعلن عنه بفخر، بينما تفاصيل الحياة اليومية للمواطن تفيض بالحفر، والتصدعات، والانتظارات المؤجلة؟

بلغة أكثر مباشرة: هذا المبلغ، مهما بدا جميلاً في البلاغات، لا يساوي شيئاً أمام الأعطاب الهيكلية التي تعرفها سطات. لا يكفي لإحداث أثر ملموس، ولا يرقى ليكون رافعة حقيقية لمعالجة مشاكل متجذرة في البنية التحتية والخدمات. وعلى سبيل الهزل المرّ، قد لا يكفي حتى لترقيع جزء صغير من الحفر التي تتقاسم شوارع وأزقة المدينة مع السيارات والمارة.

المفارقة أن الاحتفاء بالفائض قد يتحول، دون قصد، إلى اعتراف غير مباشر بحجم الهوة بين لغة الأرقام ولغة الواقع. لأن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: كم بلغ الفائض؟ بل: لماذا يوجد فائض أصلاً في مدينة تحتاج كل درهم للتأهيل والإصلاح؟ وأين تتجلى النجاعة إذا ظل الأثر غائباً عن المجال العام؟

المدن لا تتقدم بالبلاغات المالية، بل بإرادة الإنجاز، ووضوح الأولويات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما الأرقام، مهما كانت صياغتها براقة، فلا تصنع تنمية إن بقيت حبيسة الجداول والتصريحات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة