“خليه يبعبع”… حملة المقاطعة تظلم الكساب وتغض الطرف عن أصل المشكل!

منذ 5 ساعات
“خليه يبعبع”… حملة المقاطعة تظلم الكساب وتغض الطرف عن أصل المشكل!

في كل موسم يطل علينا نفس الجدل، ونفس الأصوات التي تختار الطريق السهل: مهاجمة “الكساب” وتحميله مسؤولية غلاء الأضاحي، وكأن هذا الرجل البسيط هو من يحدد أسعار السوق أو يتحكم في دواليب الاقتصاد. واليوم، مع حملة مقاطعة أكباش العيد، عاد نفس الخطاب السطحي ليتكرر تحت شعار “خليه يبعبع”، في محاولة لتبسيط قضية معقدة واختزالها في شماعة واحدة: الكساب.

الحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون، وربما عن قصد، هي أن الكساب المغربي لم يعد ذلك المستفيد كما يُروَّج، بل أصبح أول ضحية لغلاء الأعلاف. فحين ترتفع أسعار الشعير، الذرة، والتبن بشكل صاروخي، وحين يصبح إطعام القطيع عبئاً يومياً يثقل كاهل المربي، فكيف نطالبه ببيع الأضحية بثمن أقل من كلفتها؟ بأي منطق نطالبه بالخسارة فقط لإرضاء موجة افتراضية على مواقع التواصل؟

الكساب لا يشتغل في فراغ، بل يعيش داخل منظومة اقتصادية مضطربة: سنوات من الجفاف، ارتفاع تكاليف النقل، قلة المراعي، وغلاء غير مسبوق في الأعلاف. هذه العوامل مجتمعة جعلت تكلفة تربية الخروف ترتفع بشكل مهول، ومع ذلك نجد من يطالب بثمن “معقول” دون أن يسأل: معقول بالنسبة لمن؟ للمستهلك فقط أم أيضاً للمنتج الذي يسهر على تربية هذا القطيع طوال السنة؟

حملة المقاطعة، رغم ما تحمله من نوايا احتجاجية، تضرب في العمق فئة هشة تعيش أصلاً على الهامش. فهي لا تستهدف كبار الوسطاء أو المضاربين الحقيقيين، بل تضرب الكساب الصغير والمتوسط الذي يغامر برأس ماله القليل، ويواجه المخاطر الطبيعية والاقتصادية وحده. وفي النهاية، حين تنهار هذه الفئة، من سيضمن الأمن الغذائي؟ ومن سيحافظ على هذا النشاط الفلاحي الحيوي؟

ثم إن الدعوة للتخلي عن استهلاك اللحم تبدو بعيدة عن واقع المجتمع المغربي، حيث يبقى اللحم، خاصة في المناسبات، جزءاً من الثقافة والعادات. يمكن النقاش حول ترشيد الاستهلاك أو البحث عن بدائل، لكن الدعوة إلى القطيعة التامة تبدو أقرب إلى الشعارات منها إلى الحلول الواقعية.

المشكل الحقيقي ليس في الكساب، بل في غلاء الأعلاف وغياب توازن حقيقي في السوق. وإذا كان هناك غضب مشروع، فيجب أن يوجه نحو الأسباب الحقيقية: ارتفاع تكاليف الإنتاج، ضعف الدعم، واختلال سلاسل التوزيع. أما تحويل الكساب إلى “عدو” فهو ظلم مضاعف لفئة تستحق الدعم لا المقاطعة.

باختصار، من السهل أن نقول “خليه يبعبع”، لكن الأصعب هو مواجهة الحقيقة: الكساب اليوم يصارع للبقاء، وليس لجني الواقع أو يتجاهله.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة