حين يصبح النقاش الكروي بديلاً عن السؤال السياسي: كيف نجح نظام تبون في إفراغ وعي جزء من الشباب؟

15 يناير 2026
حين يصبح النقاش الكروي بديلاً عن السؤال السياسي: كيف نجح نظام تبون في إفراغ وعي جزء من الشباب؟

كلاش بريس / ع عياش

ما إن انتهت مباراة المغرب ونيجيريا، حتى انفجرت مواقع التواصل بردود فعل جزائرية صادمة، لا بسبب نتيجة مباراة كرة قدم، بل بسبب ما كشفته تلك الردود من فراغ فكري، وتيهٍ سياسي، وانزلاق جماعي نحو معارك وهمية لا تخدم سوى نظام يبحث عن الهروب من المحاسبة.

عندما تتابع حجم الانفعال، وحدّة الخطاب، وتركيز النقاش فقط على “المغرب”، تدرك أن الرئيس تبون ومن يدور في فلكه يستطيعون النوم مرتاحي البال. لماذا؟ لأن نتائج سنوات من التضليل، وتهريب الحقائق، وصناعة العدو الخارجي، صارت واضحة: شباب لا يناقش أصل القضية، ولا يطرح الأسئلة الحقيقية، ولا يقارن بين واقعين متجاورين يفصل بينهما دقائق جغرافياً… وسنوات ضوئية تنموياً.
السؤال المؤلم هو: لماذا تقهقرت الجزائر بهذا الشكل؟
لماذا لا يجرؤ هذا الشباب على مقارنة البنية التحتية بين المغرب والجزائر؟
لماذا لا يقول لرئيسه: “دعنا من الكرة… ماذا يعني هذا الفرق الشاسع بين بلدين يملكان نفس الموقع ونفس التاريخ القريب، بينما أحدهما يصنع طرقاً سريعة، وموانئ، وقطارات، ومستشفيات، والآخر ما زال عالقاً في منطق البلديات النائية؟”
الجزائر ليست بلداً فقيراً.
الجزائر تملك خيرات هائلة.
فأين ذهبت أموال الشعب؟
أين تبخّرت الثروات؟
ولماذا يوحي واقع الحال أن الجزائر تأخرت بمئات السنين، بينما المغرب يقترب، بثبات، من نماذج دول راقية في جنوب أوروبا؟
هل الإشكال في المغرب الذي اشتغل بصمت، أم في الجزائر التي أُغرقت في شعارات فارغة؟
هل النقاش في الجزائر محصور إلى هذا الحد؟
هل هو خوف؟ أم سوء فهم؟ أم نجاح ممنهج لآلة دعائية جعلت “المغرب” شماعة لكل فشل داخلي؟
الأكثر إحراجاً، أن الجزائري الذي يزور المغرب لا يمكنه إنكار الفرق.
فرق في الطرق، في الفنادق، في الملاعب، في المستشفيات، في وتيرة الحياة.
فرق بين دولة تسأل نفسها “كيف نتقدم؟” وأخرى تكتفي بسؤال “كيف نُهاجم؟”.
من المخجل أن يُختزل الوعي السياسي لشعب كامل في مباراة كرة قدم.
الغيرة مشروعة، نعم.
لكن أين الغيرة على العيش الكريم؟
أين الغضب من واقع الخدمات؟
أين السؤال عن ميزانية الدولة؟
أين النقاش حول التعليم، الصحة، الشغل، والكرامة؟
لقد نجح نظام تبون، للأسف، في حشد جزء كبير من الجزائريين داخل “خانة المغرب”، بدل خانة المحاسبة.
نجح في تحويل الأنظار عن الهزائم الدبلوماسية، وعن خسارة الملفات، وعن تراجع وزن الجزائر حتى عند أقرب حلفائها.
قبل أن تناقشوا الكرة…
اسألوا رئيسكم: لماذا هذا الحال؟
كيف وصلنا إليه؟
ومن المسؤول؟
غيّروا سكة النقاش.
الأهم أنتم: بلدكم، طرقكم، مستشفياتكم، مدارسكم، مستقبل أبنائكم.
أما الكرة، فهي مجرد لعبة… لعبة استطاع المغرب أن يوظفها ضمن مشروع أكبر، مشروع دولة تعرف ماذا تريد وإلى أين تسير.
والتاريخ لا يرحم الشعوب التي تصفق للفُرجة، بينما تُسرق أحلامها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة