كلاش بريس / ع ش
في الوقت الذي تمتلئ فيه المساجد في مختلف مدن المغرب خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، ويقبل آلاف المغاربة على القيام والاعتكاف أملاً في إدراك ليلة القدر، بدأت في السنوات الأخيرة تبرز على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة تثير الكثير من الجدل، تتمثل في المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان ونشر ذلك بشكل علني في الفضاء الرقمي وكأنه نوع من التحدي للمجتمع.
المشهد يبدو صادماً لكثير من الناس، ليس لأن المجتمع المغربي يجهل وجود مفطرين أو أصحاب أعذار، فذلك أمر موجود ومعروف منذ زمن، بل لأن بعض الحالات تحولت من سلوك شخصي إلى استعراض علني واستفزاز واضح لمشاعر الأغلبية الصائمة. فبينما يعيش الناس أجواء روحانية خاصة، وتكتظ المساجد بالمصلين في مدن مثل مراكش وغيرها من المدن، يختار البعض نشر صور ومشاهد الإفطار في وضح النهار وكأن الأمر رسالة تحدٍ أكثر منه تصرفاً عادياً.
المغرب، عبر تاريخه، كان دائماً نموذجاً للتوازن بين الانفتاح والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية. فالمجتمع المغربي لم يكن يوماً مجتمعاً منغلقاً أو رافضاً للاختلاف، لكنه في الوقت نفسه ظل محافظاً على احترام الرموز الدينية التي تشكل جزءاً من وجدانه الجماعي. وشهر رمضان ليس مجرد عادة اجتماعية عابرة، بل هو موسم روحي تتجدد فيه قيم التضامن والتكافل والسكينة بين الناس.
غير أن ما يحدث اليوم يطرح سؤالاً حقيقياً حول حدود الحرية الفردية. فحرية الفرد، مهما كانت، لا تعني بالضرورة تحويل الفضاء العام إلى ساحة لاستفزاز مشاعر المجتمع. ففي كل دول العالم هناك قيم مشتركة يحرص الناس على احترامها، ليس خوفاً من القانون فقط، بل احتراماً للعيش المشترك ولحساسية اللحظات التي يعيشها المجتمع.
والمثير للانتباه أن بعض من يروجون لهذه الظاهرة لا يكتفون بالإفطار في حد ذاته، بل يسعون إلى نشره والتفاخر به عبر الصور والفيديوهات، وكأن الهدف ليس مجرد ممارسة شخصية، بل صناعة جدل واسع يضمن مزيداً من الشهرة والانتشار على منصات التواصل الاجتماعي. وهنا تتحول القضية من حرية فردية إلى سلوك استفزازي قائم على إثارة الضجيج الإعلامي.
إن المجتمع المغربي، الذي يملأ مساجده بالمصلين في ليالي العشر الأواخر، لا يحتاج إلى دروس في التدين ولا إلى وصاية أخلاقية، لكنه في المقابل يرفض أن تتحول قيمه المشتركة إلى مادة للسخرية أو الاستفزاز. فالاحترام المتبادل هو أساس التعايش، والحرية الحقيقية لا تُقاس بمدى القدرة على استفزاز الآخرين، بل بمدى الوعي بالمسؤولية تجاه المجتمع.
وفي النهاية، تبقى الصورة الحقيقية للمغرب واضحة في تلك الصفوف الطويلة من المصلين الذين يقفون في المساجد طلباً للسكينة والرحمة، وفي العائلات التي تجتمع حول موائد الإفطار، وفي روح التضامن التي تميز هذا الشهر الفضيل. تلك هي روح المغرب التي صمدت عبر الزمن، والتي لن تغيرها بعض المشاهد العابرة مهما حاولت إثارة الجدل.


















