كلاش بريس / عبد الله عياش
في خضم الجدل المتصاعد حول الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات، خرجت نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (UNTM) ببيان شديد اللهجة، وصفت فيه هذه الزيادات بـ”الطعنة الغادرة” في القدرة الشرائية للمغاربة. بيان يحمل الكثير من الغضب، ويعكس حجم الاحتقان الاجتماعي الذي بات يطبع الشارع المغربي.
لكن، وبعيدا عن لغة البلاغات النارية، يفرض سؤال جوهري نفسه بإلحاح: أين كانت هذه النقابة عندما تم اتخاذ القرار الذي فتح الباب أصلاً لهذه الزيادات؟
الحديث هنا لا يمكن فصله عن مرحلة حكومة عبد الإله بنكيران، التي أقدمت على تحرير أسعار المحروقات، وهو القرار الذي اعتبره كثيرون آنذاك نقطة تحول مفصلية في سوق الطاقة بالمغرب. ذلك القرار لم يكن تفصيلاً عابراً، بل كان بمثابة رفع يد الدولة عن تسقيف الأسعار، وتركها لمنطق السوق وتقلباته.
المفارقة الصارخة اليوم، أن النقابة التي ترفع صوتها عالياً ضد ارتفاع الأسعار، هي نفسها التي تُعتبر الذراع النقابي لحزب حزب العدالة والتنمية، الذي قاد تلك الإصلاحات. وهو ما يطرح علامات استفهام ثقيلة حول مصداقية هذا الخطاب:
هل نحن أمام دفاع مبدئي عن القدرة الشرائية؟ أم أمام خطاب انتقائي تحكمه الاصطفافات السياسية؟
فإذا كانت الزيادات الحالية “غير مبررة” و”تغولاً رأسمالياً”، كما تقول النقابة، فماذا عن القرار الذي مهد لهذا الوضع؟ ولماذا لم نشهد حينها نفس الحدة في المواقف، ولا نفس “الغضب النقابي” الذي نراه اليوم؟
إن ما يحدث اليوم يعيد إلى الواجهة مفهوم “الكيل بمكيالين”، حيث يتحول الصوت النقابي من أداة للدفاع عن الشغيلة إلى ورقة ضغط تُستعمل حسب السياق السياسي. وهو ما يسيء، في العمق، إلى العمل النقابي نفسه، ويفقده ثقة المواطنين الذين ينتظرون مواقف ثابتة لا تتغير بتغير المواقع.
إذا كانت النقابات جادة في الدفاع عن المواطنين، فإن ذلك يقتضي أولاً مراجعة الذات، والاعتراف بالمسؤوليات السابقة، بدل الاكتفاء بإطلاق النار على الحاضر ونسيان جذور الأزمة.
صحيح ان بلاغ النقابة يفرض نفسه بالحاج ..لكن واقع الامر لا يحتاج إلى بيانات غاضبة بقدر ما يحتاج إلى مواقف صادقة، ثابتة، وشجاعة… في كل الأوقات، وليس فقط عندما تتغير مواقع الفاعلين.

















