التسجيل الانتخابي بين حق المواطنة وحسابات الخريطة السياسية

5 سبتمبر 2026
التسجيل الانتخابي بين حق المواطنة وحسابات الخريطة السياسية

بقلم امين عميمي

لماذا لا يصبح كل مغربي بلغ 18 سنة ناخباً تلقائياً؟

يبدو السؤال بسيطاً للوهلة الأولى في ظاهره، لكنه يخفي وراءه إشكالية سياسية وسوسيولوجية عميقة: لماذا لا يصبح كل مواطن مغربي بلغ سن الرشد القانوني أي 18 سنة ويحمل بطاقة التعريف الوطنية ناخباً تلقائياً، بدل مطالبته بالتسجيل مسبقاً في اللوائح الانتخابية؟
إن المواطن المغربي يكتسب جنسيته، وتثبت هويته من خلال البطاقة الوطنية، ويبلغ سن الأهلية السياسية في الثامنة عشرة، ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية. ومع ذلك، فإن ممارسة حقه في التصويت يظل مرتبطا بإجراء إداري إضافي هو التسجيل في اللوائح الانتخابية. هذا المعطى يستحق النقاش؛ إذا كان التصويت حقاً دستورياً وواجباً وطنياً، فلماذا يحتاج المواطن إلى طلب إداري حتى يصبح قادراً على ممارسة هذا الحق؟
وهو ما يجعل اللائحة الانتخابية لا تعكس المجتمع؛ وتزداد أهمية السؤال عندما نستحضر معطيات انتخابات 2021، حيث بلغ عدد المغاربة في سن التصويت آنذاك أكثر من 25 مليون شخص، في حين كان عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية في حدود 17.5 مليوناً تقريباً.
لكن الرقم الأكثر دلالة يتعلق بالشباب. فقد ظلت نسبة التسجيل لدى الفئة العمرية بين 18 و24 سنة منخفضة جداً مقارنة بالفئات الأكبر سناً.
ومن خلال هذه المعطيات تصبح القضية ليست مجرد مسألة إدارية فقط. فإذا كانت فئة عمرية كاملة، هي الفئة التي ستشكل مستقبل البلاد السياسي والاجتماعي، أقل حضوراً داخل الهيئة الناخبة، فإننا أمام سؤال يتعلق بمدى قدرة الانتخابات على عكس التركيبة الحقيقية للمجتمع.
فالهيئة الناخبة ليست بالضرورة صورة مطابقة للمجتمع المغربي في سن التصويت، وإنما هي صورة للمواطنين الذين استوفوا شروط التسجيل.
وهذا فرق جوهري، فلا يمكن التعامل مع التسجيل الانتخابي باعتباره إجراءً تقنياً محايداً تماماً.
فاللائحة الانتخابية تحدد عملياً من يدخل إلى المجال الانتخابي ومن يبقى خارجه.
قد يكون المواطن مؤهلاً قانونياً للتصويت، لكنه لا يستطيع ممارسة حقه إذا لم يكن مسجلاً مما يخلق مسافة بين المواطن والناخب (المواطن هو كل من تتوفر فيه شروط المواطنة، بينما الناخب هو المواطن الذي أصبح اسمه مدرجاً ضمن الهيئة الانتخابية).
وهذه المسافة قد تبدو إدارية، لكنها تحمل آثاراً سياسية واضحة.
فإذا كانت فئة اجتماعية معينة أقل ميلاً إلى التسجيل، فإن حضورها داخل الهيئة الناخبة سيكون أقل من وزنها الحقيقي داخل المجتمع.
فالشاب الذي يبلغ 18 أو 19 سنة، ويحمل بطاقة وطنية، ويتمتع بحقوقه السياسية، لكنه لم يسجل نفسه، لا يدخل عملياً في الحساب الانتخابي.
في المقابل، نجد مواطناً أكبر سناً، مسجلاً منذ سنوات، حاضراً بشكل طبيعي داخل الهيئة الناخبة.
كلاهما مواطن، وكلاهما بلغ السن القانونية، لكن النظام الانتخابي يجعل أحدهما أكثر حضوراً من الآخر.
وهنا يُطرح سؤال مهم، هل ينبغي أن تكون ممارسة المواطنة السياسية مرتبطة بمدى استعداد المواطن للقيام بإجراء إداري، أم ينبغي أن تكون تلقائية بمجرد توفر شروط الأهلية السياسية؟
قد يكون ضعف تسجيل الشباب مرتبطاً بالعزوف، وبضعف الثقة في الأحزاب والمؤسسات، وبالإحساس بأن الانتخابات لا تغير الكثير في الحياة اليومية.
لكن السؤال المقابل هو، هل نريد مواجهة هذا العزوف بتسهيل المشاركة، أم نكتفي باعتبار عدم التسجيل مسؤولية فردية؟، وهل التسجيل يحمي العملية الانتخابية أم يعيد تشكيلها؟.
من المؤكد أن هناك مبررات تقنية لنظام التسجيل، من بينها ضبط الدوائر الانتخابية، وتحديد أماكن التصويت، ومنع التسجيل المزدوج وضمان سلامة العملية الانتخابية.
لكن المشكلة تبدأ عندما نتساءل عن النتائج الاجتماعية والسياسية لهذا النظام.
فعدم التسجيل لا يوزع نفسه بالتساوي بين المواطنين.
وإذا كانت فئة الشباب، على سبيل المثال، أقل تسجيلاً من كبار السن، فإن استمرار التسجيل كشرط للمشاركة يؤدي، موضوعياً، إلى هيئة ناخبة تختلف في تركيبتها العمرية عن المجتمع.
وهنا يمكن أن تتغير الخريطة السياسية حتى دون أن تتدخل الدولة مباشرة في اختيار الناخبين.
بعبارة أخرى، ليس ضرورياً أن تتحكم الدولة في من يصوت حتى يكون لنظام التسجيل أثر في الخريطة الانتخابية؛ يكفي أن تكون قواعد النظام نفسها أكثر قدرة على إدماج فئات وإبقاء فئات أخرى خارج الهيئة الناخبة.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، وجود دليل على أن الدولة اعتمدت التسجيل بهدف التحكم في النتائج.
فالحديث عن «التحكم في الخريطة الانتخابية» يظل فرضية تحليلية تحتاج إلى أدلة مباشرة حتى تتحول إلى اتهام. لكن من المشروع طرح السؤال حول الآثار السياسية للنظام القائم.
هناك جانب آخر في القضية لا يحظى دائماً بما يكفي من النقاش.
هل نخشى انخفاض نسبة المشاركة الحقيقية؟
إذا أصبح كل مواطن يبلغ 18 سنة ناخباً تلقائياً، فإن نسبة المشاركة ستُحتسب على قاعدة أوسع بكثير.
وهذا قد يؤدي إلى انخفاض النسبة المعلنة للمشاركة.
لكن هل انخفاض النسبة هو المشكلة؟
أم أن المشكلة الحقيقية هي أننا لا نعرف دائماً الحجم الكامل للعزوف السياسي لأن جزءاً من المواطنين لا يدخل أصلاً في الهيئة الناخبة؟
قد يكون التسجيل التلقائي بمثابة مرآة أكثر صدقاً للمجتمع.
فإذا شارك 40 في المائة من المواطنين المؤهلين للتصويت، فهذه حقيقة اجتماعية وسياسية ينبغي تحليل أسبابها، لا إخفاؤها خلف أرقام مختلفة.
والديمقراطية لا تحتاج إلى مؤشرات جميلة بقدر حاجتها إلى مؤشرات صادقة. فلماذا لا يتم ربط التصويت بالسجل الوطني؟
التطور التكنولوجي والمؤسساتي يفتح الباب أمام تصور مختلف.
يمكن، من حيث المبدأ، بناء هيئة انتخابية اعتماداً على السجل الوطني للسكان والبطاقة الوطنية، بحيث يصبح كل مواطن يبلغ 18 سنة ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية ناخباً تلقائياً.
بعد ذلك يمكن تحديد دائرة التصويت وفق محل الإقامة، مع فتح آجال للاعتراض وتصحيح المعطيات.
في هذه الحالة، ينتقل العبء من المواطن إلى الإدارة.
بدل أن يقول المواطن:
«أريد أن أسجل كي أصبح ناخباً»
تصبح الدولة مطالبة بأن تقول:
«أنت مواطن مؤهل للتصويت، ونحن مسؤولون عن ضمان حقك في ممارسته».
والفرق بين العبارتين ليس تقنياً فقط، بل يعكس فلسفتين مختلفتين في فهم المواطنة.
وماذا عن مغاربة العالم؟
إذا كان النقاش يتعلق بالمواطنة والانتخاب، فلا يمكن تجاهل ملايين المغاربة المقيمين بالخارج.
فالدولة تولي أهمية كبيرة للجالية، خصوصاً خلال فصل الصيف، من خلال عملية «مرحبا»، التي أصبحت موعداً سنوياً تعبأ له قطاعات ومؤسسات متعددة لتسهيل عودة المغاربة المقيمين بالخارج.
كما تحرص الدولة على تشجيع أفراد الجالية على الاستثمار في المغرب، وعلى الحفاظ على ارتباطهم الاقتصادي والاجتماعي بوطنهم.
لكن هنا تبرز مفارقة تستحق النقاش، لماذا تحضر الجالية بقوة في الخطاب الاقتصادي، بينما يظل حضورها السياسي والانتخابي أقل وضوحاً؟
إذا كان المغربي المقيم بالخارج مواطناً عندما يتعلق الأمر بالاستثمار، وتحويل الأموال، والسياحة، والمساهمة في الاقتصاد الوطني، فإنه ينبغي أن يكون مواطناً بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بالمشاركة السياسية.
فالمواطنة حق لا ينبغي أن تتجزأ.
«مرحبا» بالجالية… ولكن هل هناك «مرحبا» بصوتها؟
لقد نجحت الدولة في بناء منظومة لوجستية لاستقبال الجالية خلال الصيف.
لكن استقبال المواطن لا ينبغي أن يتوقف عند الحدود.
فالجالية ليست مجرد تحويلات مالية أو استثمارات أو ملايين المسافرين خلال فصل الصيف.
إنها جزء من المجتمع المغربي، ولها الحق في أن تكون حاضرة في النقاش حول مستقبل البلاد.
بل إن شريحة مهمة من مغاربة العالم تعيش في دول ذات تقاليد ديمقراطية راسخة، وتحتك يومياً بمفاهيم المشاركة والمساءلة والشفافية وتداول السلطة.
ومن الطبيعي أن يكون لذلك أثر في وعيها السياسي.
ومن هنا يمكن أن يصبح إدماج الجالية في العملية الانتخابية عاملاً مؤثراً ليس فقط في عدد الأصوات، وإنما في طبيعة الخريطة السياسية نفسها.
فهل هناك تخوف من أن يؤدي إشراك الجالية إلى تغيير موازين القوى الانتخابية؟
مرة أخرى، لا توجد معطيات كافية للجزم بأن هذا هو السبب في محدودية حضورها الانتخابي.
لكن طرح السؤال يظل مشروعاً، خصوصاً عندما نقارن بين حجم الاهتمام الاقتصادي بالجالية ومستوى إدماجها السياسي.
المشكلة الأعمق هي أن الجالية لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الاقتصادي.
فالمغربي المقيم بالخارج ليس فقط مستثمراً محتملاً، ولا سائحاً عائداً إلى وطنه، ولا مصدراً للتحويلات.
إنه قبل كل شيء مواطن، والمواطنة تعني الحقوق كما تعني الواجبات.
لذلك فإن الحديث عن مشاركة الجالية لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها امتيازاً إضافياً، وإنما باعتبارها جزءاً من سؤال المواطنة الكاملة.
وإذا كانت الدولة تريد فعلاً بناء علاقة جديدة مع مغاربة العالم، فإن هذه العلاقة ينبغي أن تنتقل من منطق «الرعاية» إلى منطق المواطنة والمشاركة.
ربما آن الأوان لإعادة تعريف الناخب؟
ولطرح السؤال بطريقة مختلفة.
بدلاً من السؤال: من سجل نفسه في اللوائح؟
ينبغي أن نسأل: من هو المواطن الذي تتوفر فيه شروط ممارسة الحق الانتخابي؟
وبدل أن تكون القاعدة هي المواطن مؤهل، لكنه لا يصوت إذا لم يسجل.
يمكن أن تصبح المواطن مؤهل، وهو ناخب تلقائياً، وله كامل الحرية في ممارسة حقه أو عدم ممارسته. وهذا التفريق مهم جداً.
فالتسجيل التلقائي لا يعني إجبار المواطن على التصويت، إنه يعني فقط ألا يُحرم من إمكانية التصويت بسبب عدم قيامه بإجراء إداري، فالديمقراطية تبدأ من ضمان الحق.
إن إصلاح نظام التسجيل الانتخابي لن يحل وحده مشكلة العزوف السياسي.
فالعزوف له أسباب متعددة: ضعف الثقة، صورة الأحزاب، مستوى الخدمات العمومية، الإحساس بغياب التأثير، والاعتقاد بأن الانتخابات لا تغير الكثير في حياة المواطنين.
لكن تسهيل التسجيل يمكن أن يزيل على الأقل حاجزاً إدارياً من أمام المشاركة.
كما أن التسجيل التلقائي سيمنح الدولة والمجتمع صورة أكثر دقة عن حجم المشاركة الحقيقية.
وعوض أن نسأل لماذا لم يسجل ملايين المواطنين أنفسهم، سنصبح أمام سؤال سياسي أكثر وضوحاً:
لماذا لا يشارك المواطنون، رغم أن حقهم في التصويت مضمون ومتاح؟
رغم أن السؤال مؤلم، لكن لا يمكن تجاهله لأنه أكثر فائدة للديمقراطية.
فالمواطن لا ينبغي أن يطلب إذناً لممارسة مواطنته لأن المسألة ليست مجرد تغيير في طريقة إعداد اللوائح الانتخابية وإنما تعبيرا عن فلسفة المواطنة نفسها. فإذا كان المواطن مغربياً، وبلغ 18 سنة، ويحمل بطاقة وطنية، ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، فلماذا لا يكون ناخباً تلقائياً؟
وإذا كان التصويت حقاً شخصياً وواجباً وطنياً، فلماذا نطلب من المواطن أن يمر أولاً من بوابة إدارية حتى يصبح قادراً على ممارسة هذا الحق؟
أما الخوف من انخفاض نسبة المشاركة في حال اعتماد التصويت التلقائي، فلا ينبغي أن يكون سبباً لرفض الإصلاح. فالأرقام الصادقة، حتى لو كانت صادمة تبقى أفضل من أرقام مريحة لا تعكس الواقع الاجتماعي الحقيقي. أما فرضية أن نظام التسجيل صُمم للتحكم في الخريطة الانتخابية، فلا ينبغي تحويلها إلى حقيقة دون دليل.
لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن طريقة بناء الهيئة الناخبة تؤثر في شكل المشاركة وفي الفئات الاجتماعية التي تكون أكثر حضوراً داخلها.
ولهذا فإن فتح نقاش وطني حول التسجيل التلقائي، وربط الهيئة الانتخابية بالسجل الوطني، وتسهيل مشاركة الشباب ومغاربة العالم، يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الثقة في العملية الانتخابية.
فالديمقراطية لا تبدأ يوم يضع المواطن ورقة التصويت في صندوق الاقتراع، لكنها تبدأ منذ اللحظة التي تعترف فيها الدولة بأن كل مواطن مؤهل للمشاركة هو ناخب كامل الحقوق.
فالسؤال المشروع والذي يستحق أن يبقى مفتوحاً أمام الدولة والمجتمع هو هل نريد مواطناً مهماً عندما يستثمر وينفق ويعود إلى وطنه، أم مواطناً مهماً أيضاً عندما يرفع صوته داخل صندوق الاقتراع؟
لأن المواطنة، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن تكون اقتصادية عند الحاجة، وسياسية عند الانتقاء؛ المواطنة إما كاملة، أو أنها ستفقد جزءاً أساسياً من معناها ودلالاتها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.