الحكومة، تكتشف المغرب!

منذ ساعتين
الحكومة، تكتشف المغرب!

هند فصيور

كان لا بد، فيما يبدو، من انتظار شتنبر 2026 حتى تكتشف أحزاب الائتلاف الحكومي أن القدرة الشرائية مشكلة، وأن الشباب يحتاجون إلى فرص عمل، وأن المستشفيات ينبغي أن تشتغل بشكل أفضل، وأن الفساد، بالمناسبة، يستحق أن يُحارَب.

خمس سنوات كاملة من تدبير الشأن العام، وصياغة الميزانيات، والدفاع عن الحصيلة، وشرح أن “المؤشرات الأساسية متينة”، ثم، وقبل أسابيع قليلة من الاقتراع، يقع الاكتشاف العظيم دفعة واحدة: القدرة الشرائية تؤلم، الشباب قلق، الخدمات العمومية تحتاج إلى إصلاح، والفساد متفشٍ كما يبدو. يا لها من مصادفة سياسية بديعة. قد يظن المرء أن السيناريو كُتب سلفًا، لكن الأمر أبسط من ذلك: إنها أغلبية منتهية الولاية تستعيد وعيها في الوقت المناسب تمامًا لكي تطلب منا تجديد الثقة فيها.

ولحسن الحظ أنها فعلت. فلولا هذا الاستيقاظ المتأخر، لربما واصلت بعض الأولويات الوطنية حياتها الإدارية الهادئة بين تقرير، ولجنة، ودراسة أثر، واستراتيجية وطنية، ومخطط عمل، ووعد بالإصلاح “في أقرب الآجال” — وهي عبارة ساحرة حقًا، خصوصًا حين تصدر عن حكومة قضت خمس سنوات في السلطة. فـ”في أقرب الآجال” تعني، في هذه الحالة، شيئًا قريبًا من: لم يسعفنا الوقت، لكننا نطلب منكم الآن مزيدًا من الوقت.

ومنذ أسابيع قليلة، يبدو أن أحزاب الأغلبية قد طورت قدرة خارقة على إيجاد الحلول. المليارات تظهر فجأة في البرامج. وفرص الشغل تُحتسب بالملايين، لا بعشرات الآلاف، لأن عشرات الآلاف تبدو متواضعة جدًا على ملصق انتخابي. يمكن رفع المعاشات، وخفض الضرائب، ومضاعفة المساعدات، وتكوين مئات الآلاف من الشباب في تخصصات سيُشرح بعضها لنا في سطر ونصف. ويمكن للخدمات العمومية أن تصبح أكثر سرعة، وأكثر جودة، وأكثر إنسانية، وأكثر حداثة. والأجمل من كل ذلك أن كل هذه المعجزات تبدو ممكنة من دون أن يضطر أحد إلى دفع الفاتورة فعلًا. لا حديث جدي عن الأولويات، ولا عن الكلفة، ولا عن الاختيارات الصعبة، ولا حتى عن سؤال بسيط من قبيل: ماذا الذي لم ننجح في تحقيقه؟ ولماذا؟ فقط وفرة سياسية لا تنضب، توزَّع بسخاء على الورق المصقول من طرف نفس من كانوا، قبل دقائق سياسية قليلة، يمسكون بمقود التدبير.

وبقراءة هذه البرامج، قد نستنتج أن مشكلة المغرب لم تكن في نقص الإمكانيات، ولا في نقص الأفكار، وربما حتى لم تكن في نقص الإرادة. كانت المشكلة، ببساطة، في نقص الانتخابات.

كان يكفينا أن نذهب إلى صناديق الاقتراع كل بضعة أشهر لكي تُحل مشكلاتنا بوتيرة أسرع. بل يمكن، من باب الاحتياط، أن نقترح تنظيم انتخابات كل ثلاثة أشهر.

تخيلوا الإمكانات: البطالة تختفي في الدور الأول، المستشفى العمومي يُرمم في الدور الثاني، والفساد يعلن استسلامه قبل الدور الثالث. شرط واحد فقط: ألا تأتي الحملة التالية لتخبرنا أن هناك، لسوء الحظ، “بعض الأوراش التي تحتاج إلى مزيد من الوقت”.

وإذا كانت 2026 تشبه 2021 إلى هذا الحد، فقد يكون السؤال الحقيقي الذي تطرحه علينا هذه الانتخابات ليس: من يملك أفضل برنامج؟ بل ربما: من هم أمهر من سيعيدون بيعنا الوعود نفسها، بقدر أكبر من الإقناع هذه المرة؟ أي، باختصار، اختيار أمهر الكاذبين.

لكن الأكثر إثارة للاهتمام ليس ما تعد به هذه الأحزاب اليوم، بل ما تعترف به، أحيانًا من حيث لا تدري. حين تعد الأغلبية المنتهية ولايتها اليوم بإصلاح القدرة الشرائية، فهي تعترف ضمنيًا بأن القدرة الشرائية تضررت خلال فترة تدبيرها. وحين تعد بإعادة الشباب إلى قلب السياسات العمومية، فهي تقر، ولو دون قصد، بأنهم ظلوا طويلًا على الهامش، ربما مشغولين، هم بدورهم، بالاصطفاف أمام القنصليات. وحين تعد بتحسين الخدمات العمومية، فهي تعترف بأن هذه الخدمات لم تكن في المستوى المطلوب — وهو، بالمناسبة، اكتشاف لم يكن يحتاج إلى برنامج انتخابي، بل كان يكفي قضاء صباح يوم اثنين في قاعة انتظار مستشفى عمومي.

وحين تعلن أخيرًا حربًا لا هوادة فيها على الريع، وتضارب المصالح، والفساد، يصبح من المشروع طرح سؤال شديد البساطة: وماذا كان الوضع قبل ذلك؟ هل كانت الحكومة و الاحزاب المشكلة لها في هدنة مع الفساد ؟ هل كانت هذه الظواهر تنتظر هي الأخرى بداية الحملة الانتخابية حتى تصبح غير مقبولة؟ هل كانت تعيش بهدوء في نفس الإدارات، وبين نفس الملفات الموضوعة فوق نفس المكاتب؟

والأجمل أن الأحزاب نفسها كانت، قبل خمس سنوات، تعد بالكثير من الأشياء نفسها. لذلك قد يكون من المفيد أن نطلب منها، قبل كل برنامج جديد، تقديم شيء يشبه السيرة الذاتية السياسية: “التغيير الجذري” منذ متى؟ ما الذي تحقق بالضبط؟ بأي أرقام، وفي أي آجال؟ وكيف تقارن الحصيلة الفعلية بما وُعد به في المرة السابقة؟

لكن عندما نطرح هذا النوع من الأسئلة، يكون الجواب معروفًا سلفًا: السياق كان صعبًا، الظرفية الدولية، الجفاف، الأسواق العالمية، التوترات الخارجية. دائمًا هناك عامل في الخارج، ونادراً ما يوجد قرار خاطئ في الداخل. ويا لها من قدرة مذهلة على توزيع المسؤوليات: حين يتحقق النجاح، يكون الفضل داخليًا، وحين يقع الفشل، تكون الأسباب خارجية. إنها رياضة سياسية تستحق، في حد ذاتها، إدراجها ضمن الألعاب الأولمبية.

وربما هذا هو ما ينبغي أن نقرأه فعلًا في برامج 2026. لا فقط ما تعد به الأغلبية المنتهية ولايتها للغد، بأرقامها المستديرة وأفعالها الكريمة المصرفة في المستقبل، بل أيضًا ما تقوله، من حيث لا تقصد، عن السنوات الخمس التي قضتها في السلطة، وعن رغبتها في طي صفحة لم تكتب، في جزء كبير منها، ما يكفي لكي تستحق أن تطوى أصلًا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.