من النضال إلى التنازل… قصة انحراف نقابي !!

منذ 4 ساعات
من النضال إلى التنازل… قصة انحراف نقابي !!

كلاش بريس / الرباط

في زمنٍ يفترض فيه أن تكون النقابات حصناً منيعاً لحقوق الشغيلة، ومنبراً صادقاً لصوت الموظف البسيط، تأتي بعض اللحظات لتكشف أن هذا الحصن لم يعد كما كان، وأن الصوت الذي كان يُفترض أن يكون عالياً في وجه التهميش، صار خافتاً… أو موجهاً في الاتجاه الخطأ.

هكذا يمكن قراءة المراسلة الاحتجاجية الصادرة عن الجمعية الوطنية لموظفي الجماعات الترابية بالمغرب، والتي لا يمكن اعتبارها مجرد وثيقة عابرة، بل صرخة مدوية في وجه واقع نقابي مأزوم، اختلطت فيه الأوراق، وتاهت فيه الأولويات، حتى أصبح الموظف الجماعي يتساءل بمرارة: من يدافع عنا فعلاً؟

نقابة على مفترق الطرق

ما حملته المراسلة من معطيات لم يكن بسيطاً، بل كشف عن تحوّل عميق داخل النقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض، تحوّل من خط نضالي تاريخي إلى مسار يطبعه الغموض والتنازل. حديث عن “انحراف خطير” لم يأتِ من فراغ، بل من تراكمات طويلة من الإحباط، ومن اتفاقات لم تترك أثراً إيجابياً في الواقع المهني والاجتماعي للموظفين.

اتفاقا دجنبر 2019 ويونيو 2025، اللذان كان يُفترض أن يشكلا محطة لتصحيح الأوضاع، تحولا في نظر كثيرين إلى عنوان لمرحلة من التراجع، حيث لم تتحقق المطالب الأساسية، ولم تُصن كرامة الشغيلة، بل ساد شعور بأن التوقيع كان أقرب إلى تنازل منه إلى مكسب.

حين تفقد النقابة روحها

أخطر ما في الأمر، فقدان الثقة. حين يبدأ الموظفون في وصف نقابتهم بأنها “ملحقة إدارية”، فذلك مؤشر خطير على انهيار العلاقة بين القاعدة والقيادة. فالنقابة روح نضالية تُبنى على المصداقية، وتُغذّى بالثقة، وتُقاس بقدرتها على الدفاع لا التبرير.

المراسلة لمّحت بوضوح إلى هذا الخلل، حين انتقدت لجوء بعض القيادات إلى تبرير سياسات الوزارة، بدل مواجهتها. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل ما زالت النقابة تؤدي دورها الطبيعي، أم أنها انزلقت إلى موقع آخر، فقدت فيه استقلاليتها؟

صمت لم يعد مقبولاً

الواقع اليوم داخل الجماعات الترابية لا يحتمل مزيداً من الصمت. موظفون يشتغلون في ظروف صعبة، ينتظرون إصلاحات حقيقية، فإذا بهم أمام اتفاقات لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وأمام خطاب نقابي لا يعكس معاناتهم.

هذا الوضع يضع الجميع أمام مسؤولياته: قيادة نقابية مطالبة بمراجعة الذات، وقاعدة عمالية مطالبة برفع صوتها، ومؤسسات معنية مطالبة بالإنصات الجدي لمطالب فئة تشكل العمود الفقري للإدارة الترابية.

بين الانفراج والانفجار

إن ما تعيشه الساحة اليوم لا يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما أزمة ثقة حقيقية. وأي تأخر في معالجتها قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان، وربما نحو أشكال احتجاجية أكثر حدة.

لكن في المقابل، تبقى الفرصة قائمة. فرصة لإعادة بناء العمل النقابي على أسس الشفافية والديمقراطية، ولإرجاع الاعتبار لصوت الموظف، ولتصحيح مسار يبدو أنه انحرف عن سكته الأصلية.

في النهاية، قد تكون هذه المراسلة بداية مرحلة جديدة… مرحلة عنوانها الوضوح، وشعارها: لا تنازل عن الحقوق، ولا صمت بعد اليوم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة