كلاش بريس / عمر شاشي
يعود المشهد نفسه كلما لاح في الأفق توتر دولي أو اندلعت أزمة في أي بقعة من العالم: ترتفع الأسعار بسرعة مريبة، وتشتعل جيوب المواطنين قبل أن تشتعل ميادين الحرب. في مقدمة هذه الفوضى، يظهر ما يمكن تسميتهم بـ“تجار الأزمات”، أولئك الذين لا ينتظرون وقوع الكارثة، بل يقتاتون على مجرد احتمالها.
بمجرد تداول أخبار عن توترات في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط، تتحرك بعض الأطراف داخل السوق المحلية لرفع أسعار المازوط بشكل فوري، وكأن البلاد فقدت مخزونها بين ليلة وضحاها. لا تحقق، لا تريث، لا مراعاة لقدرة المواطن على التحمل… فقط استباق للأحداث بمنطق الربح السريع.
هؤلاء لا يتاجرون في الوقود فقط، بل يتاجرون في الخوف. يضخمون الأخبار، يروجون الإشاعات، ويغذّون حالة من القلق الجماعي تدفع المستهلك إلى القبول بأي سعر، خشية الندرة أو الانقطاع. وهكذا يتحول السوق من فضاء للتوازن بين العرض والطلب، إلى ساحة مفتوحة للمضاربة والانتهازية.
الخطير في الأمر أن هذه الزيادات لا تعكس دائمًا واقع السوق الدولية، ولا ترتبط بشكل مباشر وفوري بتكلفة الاستيراد أو التوزيع. بل هي في كثير من الأحيان قرارات متسرعة، بل ومتعمدة، تستغل الظرفية النفسية للمواطن، أكثر مما تستند إلى معطيات اقتصادية حقيقية.
والنتيجة؟ سلسلة من الانعكاسات الثقيلة: ارتفاع تكاليف النقل، زيادة أسعار المواد الأساسية، ضغط متزايد على الفلاحين والمهنيين، وتآكل القدرة الشرائية لعموم المواطنين. في النهاية، يدفع الجميع ثمن جشع فئة قليلة، قررت أن تجعل من الأزمات سلعة مربحة.
إن ما يحدث هو سلوك يستدعي المساءلة. لأن ترك المجال مفتوحًا أمام مثل هذه الممارسات يعني تكريس منطق “الربح بأي ثمن”، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار المجتمع وكرامة المواطن.
فإلى متى سيبقى المواطن رهينة الإشاعة، وضحية تلاعب لا يخضع لأي ضابط؟ وأين هي آليات المراقبة التي تضمن عدالة الأسعار وتمنع تحويل كل أزمة دولية إلى فرصة محلية للاغتناء غير المشروع؟
في زمن الأزمات، يُفترض أن تسود المسؤولية… لكن ما يحدث هو العكس تمامًا: حيث يتحول الخوف إلى تجارة، وتتحول معاناة الناس إلى أرباح بلا ضمير.


















