كلاش بريس / القسم الاقتصادي
في سياق دولي يتسم باضطراب غير مسبوق في حركة التجارة العالمية، يفرض ميناء طنجة المتوسط نفسه كأحد أبرز الفاعلين الذين يعيدون تشكيل خريطة الشحن البحري. فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتعثر المرور عبر ممرات استراتيجية، باتت كبرى شركات النقل البحري تبحث عن بدائل أكثر أمانًا، وهو ما منح المغرب موقعًا متقدمًا ضمن معادلة التجارة الدولية.
تقارير دولية، من بينها ما نشره موقع “بيزنس إنسايدر”، تشير إلى تحول ملحوظ في مسارات السفن التجارية، التي أصبحت تميل إلى اعتماد طريق رأس الرجاء الصالح بدل المرور عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تفاديًا للمخاطر الأمنية. هذا التحول لا يمثل مجرد تغيير ظرفي، بل يعكس إعادة توزيع أوسع لتدفقات التجارة العالمية، أعادت تسليط الضوء على موانئ استراتيجية، في مقدمتها طنجة المتوسط.
ويستفيد هذا الميناء من موقعه الجغرافي الفريد عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، بالقرب من مضيق جبل طارق، أحد أكثر الممرات البحرية نشاطًا في العالم. هذا الامتياز الجغرافي يجعله نقطة عبور طبيعية للسفن القادمة من المحيط الأطلسي نحو أوروبا، أو العكس، خاصة في ظل اضطرار عدد متزايد من السفن إلى الالتفاف حول القارة الإفريقية.
في هذا السياق، بدأت شركات شحن كبرى، مثل “ميرسك” و”هاباغ لويد” و”سي إم إيه سي جي إم”، في مراجعة حساباتها اللوجستية وتكييف مساراتها مع المعطيات الجديدة. هذه التحركات تعكس حجم التحولات التي يعرفها القطاع، كما تؤكد تزايد أهمية الموانئ القادرة على التأقلم السريع مع الأزمات.
وبحسب معطيات رسمية، فإن التأثير الكامل لهذه التغييرات لن يتضح بشكل نهائي إلا خلال الأسابيع المقبلة، غير أن المؤشرات الأولية توحي بارتفاع تدريجي في نشاط الميناء، دون تسجيل اضطرابات كبيرة في تدبير الحركة، وهو ما يعزز الثقة في قدراته التشغيلية.
في المقابل، لا يخلو هذا التحول من كلفة إضافية، إذ يؤدي اعتماد المسارات الأطول إلى زيادة زمن الرحلات البحرية بما يصل إلى أسبوعين، ما ينعكس مباشرة على استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل. وقد سارعت شركات النقل إلى تمرير جزء من هذه الزيادة إلى الزبائن، عبر رسوم إضافية على الحاويات، تشمل مخاطر الحرب وتغيير المسار، وهو ما يهدد بارتفاع أسعار عدد من السلع على المستوى العالمي.
ورغم هذه التحديات، يظل ميناء طنجة المتوسط في موقع قوة، بفضل بنيته التحتية المتطورة وقدرته الكبيرة على معالجة الحاويات، حيث تجاوز حجم نشاطه 11 مليون حاوية خلال سنة 2025، مع شبكة ربط واسعة تشمل مئات الموانئ عبر العالم. هذه المؤهلات تضعه في موقع يسمح له بامتصاص الصدمات والاستفادة من التحولات الجارية، في وقت تعيد فيه التجارة العالمية ترتيب أولوياتها ومساراتها.


















