على بعد أمتار من التلفزة…’فيدرالية اليسار’ خارج النشرة الرئيسية

منذ 5 ساعات
على بعد أمتار من التلفزة…’فيدرالية اليسار’ خارج النشرة الرئيسية

كتبه / فتح الله حافظي

في مساء يوم الأحد، لم تكن النشرة الرئيسية مجرد نافذة على الأخبار، بل منصة لإعادة ترتيب البلاد وفق مقاييس سرية لا علاقة لها بالواقع. داخل غرف التحرير في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، لا يُسأل عن ما وقع بقدر ما يُسأل عن ما يُسمح له بالظهور، وما يُدفع إلى الهامش. هذا هو جوهر الإعلام المخدوم: الخبر لا يُقاس بأهميته، بل بمدى توافقه مع الحسابات المخبأة للسلطة السياسية والإعلامية.
في ذلك المساء، نشاط حزبي محلي في تيفلت حجز لنفسه واجهة النشرة، وتقرير من كلميم جاء ليقطع المسافات ويظهر في ذروة المشاهدة. وفي المقابل، ظلّت قاعة باحنيني، على بعد أمتار قليلة من مقر التلفزة، خارج دائرة الضوء، في إشارة صارخة إلى منطق الإقصاء: القرب لا يُترجم إلى حضور، والفعل السياسي الحقيقي لا يُمنح تغطية عادلة.

المجلس الوطني لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي لم يكن حدثاً عادياً، فشعار الدورة السابعة، كان شعاراً صريحاً: “لا ديمقراطية مع القمع، ولا وطنية دون محاربة الفساد”. شعار يضع الأصبع على الجرح، ولا يمكن تجاهله أو اختزاله. ومن هنا يأتي التهميش: لا يُلغى المجلس، لكنه يُدفع إلى الهامش، يُختصر، ويُعاد تموضعه في توقيت تقل فيه العين المشاهدة، ليخفت صدى الحدث دون أن يُمحى شكلياً.

هذا هو الإقصاء في زمن الإعلام المخدوم: لا تُمنع الوقائع، بل تُدار، تُختار لحظتها، ويُحدد حجمها بدقة. كل ثانية بث، وكل ترتيب في النشرة، يتحول إلى أداة سياسية، وفي قلب هذا الواقع، يظهر الإعلام المخدوم: بعض التغطيات تتحول إلى أدوات تسويق سياسي غير معلن، تُمنح الضوء لمن يُراد له الانتشار، وتُطفأ على من يُراد له التهميش.

القرب الجغرافي يصبح هنا سخرية مُرّة: باحنيني على بعد أمتار من التلفزة، والمجلس الوطني خارج النشرة. كل شيء متاح، كل شيء في المتناول… إلا القرار التحريري. وهكذا، تُترسخ قاعدة مفادها أن الخبر القوي لا يُحذف لأنه ضعيف، بل لأنه مزعج.

في زمن سياسي انتخابي بامتياز، يتحول الإعلام العمومي من أداة نقل الحقائق إلى أداة توزيع الرصيد الرمزي، حيث يُقرر من يُرى ومن يُهمل، ومن يُسمع ومن يُغيب. ما حدث في مساء الأحد ليس تفصيلاً تقنياً، بل صورة مصغرة لواقع أوسع، يُظهر كيف تُدار القوة الإعلامية بهدوء، وكيف يصبح الخبر أداة يُوظفها من يريدون توجيه وعي المواطن.

وهنا، تكمن المفارقة الكبرى: فيدرالية اليسار… خبرٌ يُراد له أن لا يُرى، وأن لا يُسمع، في قلب الإعلام العمومي الممول من جيوب المواطنين.

الكاتب : فتح الله حافظي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة