كلاش بريس / ع عياش
في مشهد سياسي يختلط فيه الخطاب بالانتخاب، خرج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء في حكومة عزيز أخنوش، بتصريحات قوية يعلن فيها أن “لا مستقبل لثقافة الريع والجشع وممارسات الفراقشية بالمغرب”. تصريحات بدت في ظاهرها جريئة ومنحازة لهموم الشباب والمجتمع، لكنها في عمقها تطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة وأن صاحبها ليس في صف المعارضة، بل في قلب الحكومة المتهمة نفسها بتكريس تلك الممارسات.
فحين يتحدث وزير في حكومة قائمة عن محاربة الريع والمضاربات و”باك صاحبي”، فإن السؤال البديهي هو: من المسؤول عن استمرار هذه الظواهر إن لم تكن الحكومة نفسها؟ وهل يعقل أن يتحول عضو في الجهاز التنفيذي إلى ناقد خارجي، وكأنه غير معني بما يقع، أو مجرد متفرج على اختلالات يفترض أنه شريك في تصحيحها؟
الأكثر إثارة للانتباه أن هذا الخطاب يأتي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وفي سياق سياسي يتسم بتراجع الثقة في الأحزاب المشاركة في الحكومة. وهو ما يجعل تصريحات بركة أقرب إلى محاولة استباقية لتبييض صورة الحزب، وفصل خطابه عن حصيلة الحكومة، أكثر من كونها موقفًا صادقًا يترجم إلى قرارات وإجراءات ملموسة.
نزار بركة لم يدخل الحكومة بالأمس، وحزب الاستقلال ليس حديث العهد بالمشاركة في السلطة. وبالتالي، فإن الحديث اليوم عن “غياب المساواة” و”اتساع الهوة الاجتماعية” يبدو متأخرًا، بل ويفتقد للانسجام السياسي. فالمواطن البسيط لا ينتظر خطبًا ولا شعارات، بل يسائل: أين كانت هذه المواقف عندما كانت الأسعار تلتهب؟ وأين كانت قرارات محاربة المضاربة عندما كان القوت اليومي للمغاربة يُستنزف؟
أما “ميثاق 11 يناير للشباب”، فرغم لغته الطموحة، فإنه لا يخرج عن كونه وثيقة نوايا، تفتقر إلى الجرأة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتتجنب تسمية الجهات المستفيدة من الريع داخل المنظومة الاقتصادية والسياسية. وهو ما يجعل الميثاق يبدو أقرب إلى منتوج تواصلي موجه للشباب الغاضب، بدل كونه التزامًا سياسيًا واضحًا قابلًا للتنفيذ.
إن أخطر ما في هذا الخطاب، ليس فقط تناقضه مع موقع بركة داخل الحكومة، بل محاولته تقديم الحزب في ثوب المنقذ، بعد سنوات من الشراكة في القرار. فمحاربة الريع لا تكون بالتصريحات الموسمية، ولا تُختزل في مهرجانات حزبية، بل تبدأ من داخل الحكومة نفسها، عبر سياسات واضحة، وقرارات شجاعة، ومحاسبة حقيقية للمستفيدين من “الفراقشية”.
وإلى أن يتحول هذا الكلام إلى أفعال، سيبقى المغاربة ينظرون إليه كجزء من خطاب انتخابي مبكر، لا يغير من واقع أن من يتحدث عن الريع اليوم… هو نفسه جزء من السلطة التي سمحت باستمراره.


















