من انجاز / عبد الرحمان جبير
من مداغ إلى العالمية …الشيخ سيدي حمزة يبصم على العالمية
الزاوية القادرية البودشيشية في عهد الشيخ حمزة القادري البودشيشي كانت مرحلة ازدهار غير مسبوقة، جعلتها تتجاوز حدود المغرب لتصبح واحدة من أبرز الطرق الصوفية المعروفة عالميًا.
كي نفهم جيدا ماذا حدث مع الشيخ منير يجب ان نغوص قليلا بالبحث والتقصي في عهد الراحل الشيخ المربي حمزة .. شيخ استطاع ان يحول الزاوية من نطاق محلي بسيط إلى شبكة روحية دولية تمتد إلى أوروبا وأمريكا وإفريقيا،
الشيخ حمزة استعمل ٱليات للوصول إلى العالمية ..ٱليات لها علاقة بالسكينة الروحية…الرجل فعلا استطاع ان يخلق أجواء روحانية تسودها الأذكار والمدائح والدروس التربوية والتركيز على التربية الروحية القائمة على المحبة والصفاء القلبي وذكر الله.
ولطالما كان يؤكد باستمرار أن “الطريق إلى الله هو طريق المحبة”، مما جعل خطابه يجذب مختلف الفئات الاجتماعية والثقافية، بما فيها الجيل المثقف والشباب الجامعي.
في غمرة التوسع ..أشرف الشيخ حمزة على إنشاء مدارس قرآنية ومراكز تربوية داخل المغرب وخارجه، لتعزيز البعد التعليمي للزاوية. وتحت قيادته، رسّخت الزاوية حضورها في المشهد الديني المغربي كمصدرٍ للاعتدال والتسامح، وساهمت في مواجهة مظاهر التطرف الديني بخطاب روحاني هادئ يدعو إلى السلم والمحبة.
رحل الشيخ حمزة إلى دار البقاء يوم 18 يناير 2017، عن عمر ناهز 95 سنة، بعد أن ترك إرثًا روحيًا وإنسانيًا كبيرًا، وحوّل الزاوية البودشيشية إلى مدرسة عالمية للصفاء والتربية القلبية. وبعد وفاته، تولى المشيخة ابنه الشيخ جمال القادري البودشيشي، الذي واصل على نفس النهج في نشر قيم المحبة والاعتدال والوفاء لتعاليم والده.
الشيخ جمال القادري بودشيش.. سليل الروح الهادئة ووارث سر الزاوية
بعد وفاة الشيخ حمزة القادري بودشيش سنة 2017، تولى نجله الشيخ جمال الدين القادري بودشيش مشيخة الزاوية القادرية البودشيشية، لتدخل الزاوية مرحلة جديدة من تاريخها الروحي والتنظيمي
جمال، البودشيشي ..حمل مشعل التربية الصوفية بروح هادئة وأسلوب متزن، فحافظ على تقاليد الزاوية المعروفة بالذكر والصفاء والوسطية، وفي الوقت نفسه حاول أن يمنحها نفسًا جديدًا يتناسب مع التحولات التي يعرفها العالم المعاصر.
في عهده، استمرت الزاوية في استقبال آلاف المريدين من داخل المغرب وخارجه، خاصة في المناسبات الكبرى مثل إحياء ذكرى المولد النبوي والليلة الكبرى بمقر الزاوية بمداغ، حيث ظل صوت السماع يرتفع في ليالٍ روحانية تعكس امتداد الطريقة وتجذرها في الوجدان المغربي.
كما واصل الشيخ جمال نهج والده في الانفتاح على مختلف الشرائح، والتأكيد على القيم الصوفية الأصيلة القائمة على الحب والتسامح وخدمة الوطن والإنسان، مبتعدًا عن أي صدام أو خطاب سياسي مباشر، ومتمسكًا بالبعد الروحي كجوهر للطريقة.
جمال الدين البودشيشي كان معروفًا بوقاره وبساطته، قليل الظهور الإعلامي، يفضل الصمت والعمل في الخفاء، لكنه كان حاضرًا بقوة في قلوب مريديه الذين رأوا فيه امتدادًا لروح والده، ووجهًا للصفاء الصوفي الذي لا يعرف الادعاء.
في فترة قيادته، حافظت الزاوية على موقعها كأبرز الطرق الصوفية في المغرب والعالم الإسلامي، وكمقصد للباحثين عن السكينة والصفاء، وفضاء للتواصل بين الثقافات من خلال أنشطتها الدولية وتنظيمها لملتقيات روحية وعلمية.
استطاع جمال الدين أن يقود الزاوية في مرحلة دقيقة بحكمة الأب وحنكة المربي. ومع وفاته، دخلت الزاوية القادرية البودشيشية مرحلة من التساؤلات ..لكن الإطار العام للزاوية ظل واقفا كالهرم ويتجلى في كون الزاوية ليس لها ارتباط بشخص، بل برسالة روحية خالدة عنوانها المحبة والصفاء وخدمة الإنسان في كل زمان ومكان. حتى ولو تكللنها بعض الغيوم
الشيخ منير القادري البودشيشي .. وارث السرّين وامتداد المدرسة البودشيشية
يجمع الفقراء بالزاوية البودشيشية ان منير القادري البودشيشي يعتبر أحد أبرز الوجوه الصوفية المعاصرة التي تمثل الامتداد الطبيعي لمدرسة مداغ الروحية.
من الأشياء الإيجابية التي صنعت منير كونه نشأ في كنف والده وجده، وتشرّب منذ صغره قيم الصفاء والمحبة والتجرد التي تميّز الطريقة القادرية البودشيشية، فجمع بين السكينة الروحية لحمزة والنهج المتزن لجمال، ليصبح بحق جامع السرّين ومكمّل المسار.
يتميز الشيخ منير بتكوينه العلمي الرصين، إذ حصل على شهادات جامعية عليا في الدراسات الإسلامية والفكر الصوفي، كما ساهم في تأسيس وإدارة مؤسسات علمية وثقافية تُعنى بالتربية الروحية ونشر قيم التسامح، من أبرزها المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم، ومركز الدراسات والأبحاث في القيم، إلى جانب إشرافه على عدد من الندوات الدولية حول التصوف المغربي ودوره في الحوار بين الثقافات.
الإجماع يقول ان منير البودشيشي سيمنح الزاوية نفسًا جديدًا يواكب التحولات الفكرية والاجتماعية، دون أن يفقدها صفاءها الأصلي، مجسدًا بذلك استمرارية مدرسة الجدّ والأب في ثوب العصر.
ما يميز الشيخ منير حقًا، هو قربه من الناس.فهو لا يرى في المشيخة مقامًا للتعالي أو الوجاهة، بل تكليفًا بالخدمة والإنصات. لهذا تجده دائم التواصل مع الفقراء والمريدين، يستقبلهم بوجه طليق وكلمة طيبة، يسأل عن أحوالهم، ويهتم بشؤونهم الدينية والاجتماعية.
وفي كل لقاء روحي أو مناسبة، يحرص على الجلوس بين الناس، موجهًا ومربيًا ومواسيًا، في مشهد يعيد للأذهان تواضع جده الشيخ حمزة ومودة والده الشيخ جمال.
امتد حضوره أيضًا إلى الجالية المغربية في الخارج، حيث يحرص على التواصل الدائم مع فروع الزاوية البودشيشية في أوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية، من خلال لقاءات وملتقيات روحية تنشر القيم الأصيلة للطريقة، وتربط المريدين بجذورهم الروحية والوطنية.
ويولي اهتمامًا خاصًا للشباب المغاربة في المهجر، معتبرًا أن التربية الصوفية قادرة على تحصينهم من الغلو والتيه، ومنحهم معنى للانتماء القيمي والإنساني.
وفي خطبه وكلماته، يؤكد الشيخ منير أن التصوف ليس انعزالًا عن الحياة، بل موقف إيجابي من العالم يقوم على خدمة الإنسان أينما كان، ونشر الرحمة في كل زمان ومكان.
لذلك تحوّل حضوره إلى جسر تواصل بين أجيال مختلفة من المريدين، يجمعهم على كلمة الذكر والمحبة، ويعيد ربط الروح بالجوهر الذي قامت عليه الزاوية منذ نشأتها.
منير القاديري.. العارف بالله الذي وهبه الله علم الخواطر
يُعتبر العارف بالله سيدي منير القاديري من أبرز رجالات التربية الروحية في هذا العصر، ممن جمعوا بين نور المعرفة الإلهية وعمق التجربة الصوفية. وقد اشتهر بميزة فريدة بين العارفين، وهي تضلّعه في علم الخواطر، ذلك العلم اللطيف الذي يتناول دقائق ما يدور في النفس من واردات وإلهامات وأفكار، ويمكّن صاحبه من التمييز بين ما هو نور من الله، وما هو وسوسة أو وهم من النفس أو الشيطان.
علم الخواطر عند أهل التصوف يُعد من أدق علوم القلوب، إذ يُعنى بتمييز ما يَرِدُ على القلب من خاطر، هل هو من الله تعالى، أم من المَلَك، أم من النفس، أم من الشيطان. فالخواطر أربعة كما قال الإمام القشيري: خاطر إلهي وهو الإلهام، وخاطر ملَكي وهو الحث على الطاعة، وخاطر نفسي يدعو إلى الهوى، وخاطر شيطاني يغري بالمعصية والغرور. والعارف بالله هو من وهبه الله نور التمييز بين هذه الخواطر، فلا ينخدع بزيف النفس ولا ينصت لوسوسة الشيطان، بل يزن كل خاطر بميزان الشريعة.
منير القاديري تميّز بصفاء باطنه حتى صار قادراً، بنور البصيرة، على إدراك ما يختلج في نفوس مريديه قبل أن ينطقوا به، فيجيبهم بما يناسب حالهم ويوجههم برفقٍ وحكمة. وهذا الإدراك ليس خرقاً للعادة ولا عملاً من أعمال الغيب أو السحر، بل هو ثمرة صفاء القلب وكثرة الذكر ودوام المراقبة. فالعارف لا يستمد علمه من قوى خفية، بل من نورٍ يقذفه الله في قلبه جزاءً على صدقه وإخلاصه.
الناس العاديون، حين يشاهدون مثل هذه الخصال، قد يظنون أن صاحبها يمتهن السحر أو يمتلك قوى خارقة، لأنهم لا يدركون حقيقة العلوم الباطنية التي يتحدث عنها أهل التصوف. لكن الفرق بين العارف والساحر شاسع؛ فالساحر يستعين بالشياطين ويطلب السيطرة، بينما العارف بالله يتجرد من حوله وقوته ويلجأ إلى الله في كل حال. السحر غايته التملك والتأثير في الناس، أما علم الخواطر فغايته التربية والهداية وإصلاح النفوس.
العارف بالله حين يَرِدُ عليه خاطر، لا يتبعه مباشرة، بل يعرضه على الشرع والعقل، فإن وافق الحق قبله، وإن خالفه رده. فالخاطر الإلهي يُورث طمأنينةً في القلب، والخاطر الملَكي يحثّ على الخير، والخاطر النفسي يدعو إلى راحة البدن وشهوة الدنيا، والخاطر الشيطاني يُثير القلق والاضطراب ويزرع الكبر والرياء. ولا يميّز هذه الدقائق إلا من صفا باطنه حتى صار مرآةً تعكس النور الإلهي بلا غبش.
علم الخواطر لا يُكتسب بالكتب، ولا يُتعلّم في المدارس، بل يُوهب هبةً ربانية لمن صدق في سلوكه إلى الله وطهّر قلبه من الأهواء. وقد قال أحد الصوفية: “من صفا قلبه رأى خواطره على حقيقتها، ومن تكدّر باطنه التبست عليه الخواطر”. فالصفاء شرط الإدراك، والنور لا يُشرق إلا في القلوب النقية.
بهذه الخصائص، أصبح منير القاديري مدرسة قائمة بذاتها في الفهم والسكينة، يجمع بين الحكمة والرحمة، وبين العلم والعمل. مجالسه يغمرها الهدوء، وكلماته تبث الطمأنينة في النفوس، لأنه لا يعلّم فقط، بل يزرع في القلوب محبة الله ومعرفة النفس. علم الخواطر عنده ليس ترفاً روحياً ولا مظهراً من مظاهر الكرامة، بل هو وسيلة للإصلاح والتربية، يُقوّم بها المريدين، ويهديهم إلى سواء السبيل.
إن ما يملكه هذا العارف بالله ليس سحراً ولا خارقة، بل هو علم من أنوار البصيرة، يمنحه الله لمن شاء من عباده المخلصين. ومن لم يذق طعم الصفاء، قد يلتبس عليه الأمر، فيظن النور سحراً، والسكينة غموضاً، والحق خرافة. لكن العارفين يدركون أن في هذا النور سرّ القرب، وفي هذا الفهم علامة المحبة الإلهية التي تشرق في قلوب أولياء الله الصالحين.
لمن لا يعرف منير القاديري البودشيشي …
القراءة في المسار الأكاديمي والعلمي للدكتور منير القاديري بودشيش تكشف عن شخصية فريدة في المشهد الديني والفكري المغربي والعالمي، تَجمع بين العرفان الصوفي العميق والصرامة الأكاديمية الحديثة. فهو نموذج نادر لعالمٍ يزاوج بين التجربة الروحية الأصيلة والمعرفة العقلية المنهجية، في زمنٍ غالبًا ما يُفصل فيه بين العلم والدين، وبين الروح والفكر.
من خلال تتبع تكوينه، يتضح أن الدكتور القاديري اختار مسارًا متنوعًا ومتدرجًا، بدأ من العلوم الشرعية وانفتح لاحقًا على الاقتصاد، والأنثروبولوجيا، وعلوم الأديان، والدراسات الصوفية. هذه الرحلة لا تعكس فقط رغبة في التحصيل، بل تعبّر عن رؤية فكرية متكاملة، تسعى إلى فهم الإنسان والمجتمع في كل أبعاده: الدينية، والاقتصادية، والاجتماعية، والروحية.
فهو حاصل على إجازتين جامعيتين في مجالي الدراسات الإسلامية والاقتصاد، مما أتاح له الجمع بين فقه الدين وفقه الواقع. كما أن تخرّجه من دار الحديث الحسنية – أحد أرقى معاهد التكوين العلمي في العالم الإسلامي – منحه قاعدة رصينة في العلوم الشرعية والحديثية، قبل أن ينتقل إلى فرنسا ليواصل دراساته العليا في جامعات مرموقة مثل غرونوبل والسوربون، حيث حصل على ثلاث دكتوراه في مجالات متقاطعة: العلوم الإنسانية، وعلوم الأديان، والدراسات الصوفية.
اختياره لأطروحته في السوربون حول كتاب “قوت القلوب” للإمام أبي طالب المكي بإشراف المستشرق الفرنسي الكبير Pierre Lory، ليس صدفة. فهو نصّ صوفي كلاسيكي يُعتبر من أعمدة التراث الروحي الإسلامي، ودراسته أكاديميًا في جامعة أوروبية تُظهر قدرته على تقديم التصوف الإسلامي بلغة علمية معاصرة تُخاطب العقل الغربي دون أن تفقد روحها.
إلى جانب مساره الأكاديمي، تولّى الدكتور القاديري مهام علمية دولية تُبرز إشعاعه الفكري؛ فهو مدير مركز الدراسات الأورو-متوسطية حول الإسلام اليوم (CEMEIA) بباريس، وأستاذ في المالية الإسلامية بجامعة دوفين، وعضو في المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، ورئيس لجنة الرقابة الشرعية في المجلس الأوروبي المستقل للمالية الإسلامية. هذه المهام تضعه في قلب النقاش العالمي حول صورة الإسلام في الغرب، والاقتصاد الإسلامي، والتصوف كجسر حضاري.
أما على المستوى الروحي، فهو رئيس الملتقى العالمي للتصوف بمداغ، وهو من أبرز الفعاليات الفكرية والدينية بالمغرب والعالم الإسلامي، يجمع سنويًا مفكرين، وعلماء، وباحثين من مختلف الدول للحوار حول القيم الروحية والإنسانية. ومن خلال هذا الفضاء، استطاع الدكتور القاديري أن يقدّم التصوف المغربي كمنهج للحوار والتوازن في زمن العنف والاغتراب الروحي.
إن هذه السيرة المليئة بالمؤهلات تُظهر أن منير القاديري لا يمثل مجرد شيخ طريقة أو باحث أكاديمي، بل جسرًا بين العرفان والعقل، بين الزاوية والجامعة، بين الشرق والغرب. هو نموذج لعالمٍ معاصر يحمل في شخصه مشروعًا متكاملاً: أن يكون التصوف علمًا يُدرّس، لا طقسًا يُمارس فقط؛ وأن تكون الزاوية فضاءً للتربية والتنوير، لا مجرد مقام للذكر.
بعبارة موجزة، يمكن القول إن سيدي منير القاديري بودشيش يجسد الوجه المتجدد للتصوف المغربي، تصوفًا منفتحًا على المعرفة الحديثة، ومؤصلاً في التراث، يسعى إلى تحقيق توازن الإنسان بين العقل والقلب، بين المادة والروح، بين العالم والآخرة.













