كلاش بريس
حين خرجت البشرية مثقلةً بخراب حربين عالميتين، سُوِّيت فيهما المدن بالأرض، وأُبيد الأخضر واليابس، حتى أُنهكت الروح الإنسانية تحت وطأة الدم والدمار، اجتمع زعماء العالم وقد أدركوا متأخرين أن الحرب لم تعد خيارا صالحا لبناء المستقبل. الانتهاكات التي رافقت تلك الحروب الشاملة كافية لتدق ناقوس الخطر، وتدفع الإنسانية إلى البحث عن بديل أقل وحشية وأكثر عقلانية.
من رحم هذا الدمار وُلدت الأمم المتحدة، بوصفها منظمة إنسانية عالمية، أُنيط بها حفظ السلم والأمن الدوليين، وإدارة النزاعات، والعمل على حلّها بالوسائل السلمية، وتحت مظلتها تشكّلت محكمة العدل الدولية، وظهرت لاحقا المحكمة الجنائية الدولية، في محاولة لترسيخ مبدأ العدالة الدولية. قامت الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم، تلك التجربة التي أخفقت في احتواء الأزمات، ومنع الانزلاق نحو الحرب، فكان الأمل أن تمثّل المنظمة الجديدة صفحة مختلفة في تاريخ العالم، عنوانها الاستقرار والتعاون، وقدرة المجتمع الدولي على التدخل الفاعل حين يُهدَّد السلام.
غير أنّ هذا البناء، الذي بدا في ظاهره صلبا، حمل في جوفه منذ البداية بذور فنائه: بذور الضعف والعجز والازدواجية. فقد وُضعت أسسه على موازين قوى غير عادلة، وقيود سياسية عطّلت فاعليته، وجعلت قراراته رهينة مصالح الدول الكبرى، أكثر من كونها تعبيرا عن ضمير إنساني جامع. واليوم، بعد قرابة قرن إلا قليلا على اندلاع الحرب العالمية الثانية، نشهد تآكلا واضحا في دور المنظمات الدولية، التي كان يُفترض بها أن تحمي السلم العالمي. تراجع نفوذها، وخفَت صوت القانون، وعاد العالم ليشبه غابة مفتوحة يفعل فيها الأقوياء ما يشاؤون، دون رادع أو محاسبة حقيقية. وهكذا استقبلنا العام الجديد، 2026، على وقع خبرٍ صادم أعاد إلى الأذهان أسئلة كبرى ظننا أننا تجاوزناها، وذكّرنا بأن النظام الدولي الذي بُني على أنقاض الحرب، بات اليوم عاجزا عن منع تكرار مآسيها، وكأن البشرية تدور في حلقة مفرغة. في الثالث من يناير، مطلع عام 2026، لم نكد نفرغ بعد من ترديد عبارة Happy New Yearحتى اشتعلت شاشات العالم على وقع خبرٍ صادم. تنافست وكالات الأنباء الدولية في بث نبأ تنفيذ الطيران الحربي الأمريكي غارات جوية على كراكاس، عاصمة فنزويلا، في عملية وُصفت بالسريعة والحاسمة. لم تمضِ ساعات حتى أُعلن عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما جوا خارج الأراضي الفنزويلية، ثم توالت الصور، صادمة وقاسية: رئيس دولة مقيّد اليدين، معصوب العينين، في مشهد أعاد إلى الذاكرة أكثر الفصول ظلمة في تاريخ العلاقات الدولية. لاحقا، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن رسميا، أن مادورو قد أُزيح عن السلطة في سياق العملية العسكرية، وأنه جرى احتجازه، مؤكدا أن الولايات المتحدة تعتزم الاحتفاظ بالسيطرة على فنزويلا وإدارة شؤون الحكم فيها مؤقتا، إلى حين «استعادة الاستقرار»، وفق التعبير الأمريكي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ جرى نقل الرئيس الفنزويلي وزوجته إلى نيويورك، تمهيدا لمثولهما أمام محكمة فيدرالية أمريكية، لمواجهة تهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات، والإرهاب، وحيازة الأسلحة الثقيلة، وهي تهم اعتبرتها واشنطن تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي. هكذا، لم يبدأ عام 2026 بوعود السلام، بل افتتح فصله الأول بمشهد يعكس انهيار ما تبقى من النظام الدولي. وفي خضم هذا الذهول، أعلنت الحكومة الفنزويلية رفضها القاطع واستنكارها الشديد لما وصفته بالعدوان العسكري الأمريكي، مؤكدة أن ما جرى يمثل انتهاكا صارخا للسيادة الوطنية. وصرّحت نائبة الرئيس الفنزويلي، بأن فنزويلا لن تكون مستعمرة لأحد بعد اليوم، معتبرة أن ما تسميه واشنطن «حربا على المخدرات» ليس سوى ذريعة مكشوفة لتغيير النظام السياسي، والسيطرة على ثروات البلاد من الطاقة والمعادن والموارد الطبيعية. وفي المقابل، خرج زعماء العالم يتبارون في إطلاق التصريحات، ويتراشقون ببيانات التنديد والاستنكار لما جرى. حيث أعلن العديد من الحكومات والهيئات الإقليمية والدولية إدانتَها للضربات الجوية الأمريكية. فقد عبّرت منظمة الدول الأمريكية، إلى جانب الصين وروسيا وإيران والبرازيل وكوبا والاتحاد الأوروبي وغيرها من الدول، عن رفضها للعملية العسكرية، واعتبرتها انتهاكا للقانون الدولي، وتهديدا مباشرا للسلم والأمن الدوليين. ودعت المنظمات الدولية والحقوقية إلى احترام سيادة فنزويلا واستقلالها، مع التشديد على حماية حقوق الإنسان، محذّرة من أن أي تصعيد عسكري قد يخلّف آثارا خطيرة على المدنيين ويهدد الاستقرار الإقليمي.
وفي السياق ذاته، صرّح المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة بأن التصعيد الأخير يشكّل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، مؤكدا على الإلزامية المطلقة لاحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة من قبل جميع الدول، دون استثناء أو انتقائية. وبصرف النظر عن الخلاف الممتد لعقود بين الولايات المتحدة وفنزويلا، ذلك الخلاف الذي تغذّيه تناقضات أيديولوجية رأت فيها واشنطن تهديدا مباشرا لهيمنتها الإقليمية، أو ما تدّعيه واشنطن من أن فنزويلا تقوّض الأمن الوطني الأمريكي عن طريق المخدرات والإرهاب والهجرة غير المشروعة، وبمعزل عن العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على قطاع النفط الفنزويلي، في سياق الضغط على كاراكاس بسبب تحالفاتها مع خصوم الولايات المتحدة، ومن دون الخوض في العقوبات الفردية التي فرضتها عدة حكومات على شخصيات بارزة في نظام نيكولاس مادورو، ردّا على ما رافق احتجاجات عام 2014 وما تلاها في 2017، وكذلك على خلفية انتخابات الرئاسة عام 2018، حيث وُجّهت اتهامات بالتورط في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، واستشراء الفساد، وقمع الديمقراطية، وتدهور سيادة القانون، ونظام سياسي وُصف بالتسلّط في تعامله مع شعبه. فمع خطورة ما سبق، فإن ما يفوق ذلك خطرا هو موقف دولة، مهما بلغت قوتها، قررت أن تتجاوز القانون الدولي، وتفرغ المنظمات الأممية من معناها، وتتدخل عسكريا من تلقاء نفسها خارج إطار الشرعية الدولية، ومن دون اللجوء إلى الآليات القانونية التي يفرضها مجلس الأمن، وتضع نفسها فوق القانون، وتفتح الباب أمام عالم تحكمه شريعة القوة لا القانون، لتعتدي مباشرة على سيادة دولة مستقلة، وتقدم على اختطاف رئيسها المنتخب، في سابقة بالغة الخطورة. إن ما جرى لا يمثّل عدوانا على سيادة فنزويلا ولا انتهاكا لشخص رئيسها فحسب، بل هو، في جوهره، عدوان على القانون الدولي نفسه، وعلى المبادئ التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة، ذلك الميثاق الذي لم يُكتب حبره إلا بعد أن دفعت البشرية ثمنه ملايين الأرواح في أتون الحرب العالمية الثانية.
ومن هنا يدور سؤال مرير: هل ما زال العالم تحكمه القوانين الدولية، أم باتت القوة وحدها هي الحَكَم؟
لمياء موسى / كاتبة مصرية



















