مصحة مولاي يوسف بخريبكة.. حين يلتقي العلاج بالبعد الإنساني

26 فبراير 2026
مصحة مولاي يوسف بخريبكة.. حين يلتقي العلاج بالبعد الإنساني

كلاش بريس / خريبكة

في مدينة خريبكة، حيث تتقاطع الإكراهات الاجتماعية مع الحاجة الملحّة إلى خدمات صحية قريبة من المواطن، تبرز مصحة مولاي يوسف كواحدة من المؤسسات التي اختارت أن تمنح للعمل الطبي بعداً إنسانياً واضحاً. فالمصحة، التي تُعد من أبرز المرافق الصحية الخاصة بالمدينة، لا يُنظر إليها فقط كمؤسسة علاجية تقدم خدمات طبية بمقابل، بل كفضاء يحاول أن يوازن بين منطق الاستمرارية الاقتصادية وروح المسؤولية الاجتماعية، وهو توازن صعب في قطاع يعرف كلفة مرتفعة وتجهيزات معقدة وأطراً متخصصة.

ما يميز هذه المصحة، وفق ما يتداوله عدد من المتتبعين محلياً، هو قربها من المواطن، خصوصاً من الفئات الهشة التي تجد نفسها أحياناً عاجزة عن تحمل مصاريف العلاج، خاصة في أمراض مزمنة تتطلب متابعة مستمرة. ويُعد ملف تصفية الدم (الدياليز) المثال الأبرز على ذلك، باعتباره خدمة حيوية لا تحتمل التأجيل أو الانقطاع، إذ يرتبط استمرارها بشكل مباشر بحياة المرضى.

فخلال شهر رمضان، بادرت المصحة إلى إطلاق خدمة الدياليز مجاناً لمدة شهر كامل، وهي خطوة ذات حمولة اجتماعية قوية في سياق ترتفع فيه تكاليف المعيشة، كما تم الحديث عن مبادرات تضامنية أخرى همّت دعم بعض الأسر المحتاجة بقفف غذائية، ما يعكس حضوراً اجتماعياً يتجاوز الجوانب التقنية للعلاج.

في المقابل، يظل موضوع “ارتفاع المؤشر” لدى بعض مرضى الدياليز إشكالاً مطروحاً في عدد من المراكز، حيث قد تلجأ بعض المؤسسات إلى توقيف التعامل مع حالات معينة لأسباب طبية أو مالية. غير أن ما يُسجل في حالة هذه المصحة، بحسب ما يتم تداوله داخل المدينة، هو أنها لم تعتمد منطق الإرجاع أو التخلي عن المرضى بسبب العجز المادي، بل تستمر في تقديم حصص التصفية إلى حين إيجاد حلول وتسوية الوضعيات المالية، خاصة بالنسبة للشرائح الهشة.

وإذا كان هذا المعطى يعكس الواقع فعلاً، فإنه يطرح نموذجاً مختلفاً في تدبير العلاقة بين المؤسسة الخاصة والمريض، نموذجاً يضع الاعتبار الإنساني في صلب المعادلة دون أن ينفي متطلبات التسيير.
في زمن أصبحت فيه بعض المؤسسات الصحية الخاصة تُنتقد بسبب تغليبها منطق الربح، يبرز هذا النوع من المبادرات كإشارة إلى أن الاستثمار في الصحة لا يعني بالضرورة الانفصال عن المجتمع، بل يمكن أن يتحول إلى رافعة تضامن محلي إذا توفرت الإرادة. غير أن التحدي الأكبر يبقى في ضمان استمرارية هذا التوجه، لأن العمل الاجتماعي داخل مؤسسة خاصة يحتاج إلى رؤية واضحة تضمن التوازن بين الواجب الإنساني وضمان ديمومة الخدمة وجودتها.

تبقى مصحة مولاي يوسف بقيادة الياس دوم، تجربة محلية تستحق التتبع والتحليل، ليس من باب الإشادة فقط، بل من زاوية النقاش حول الدور الذي يمكن أن تلعبه المصحات الخاصة في مدن متوسطة مثل خريبكة، حيث الحاجة إلى خدمات صحية منصفة أكثر إلحاحاً.

وبين متطلبات السوق وإكراهات الواقع الاجتماعي، يظل السؤال قائماً: هل يمكن ترسيخ نموذج صحي خاص يشتغل بروح المواطنة دون أن يفقد مقوماته المهنية والاقتصادية؟ التجربة الحالية توحي بأن الأمر ممكن، متى تم استحضار أن العلاج ليس مجرد خدمة مؤدى عنها، بل مسؤولية أخلاقية قبل كل شيء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة