كلاش بريس
شهدت العاصمة المغربية الرباط، الإثنين، انعقاد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة المغربية-السنغالية، وسط أجواء ما زالت تعيش على وقع تداعيات النقاشات الشعبية التي أثارتها أحداث رياضية حديثة.
وجاء هذه القمة الثنائية التي ترأسها كل من رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش والوزير الأول السنغالي أوسمان سونكو، بعد أيام قليلة من قمة رياضية كبيرة احتضنتها الرباط أيضا، تمثلت في نهائي كأس إفريقيا للأمم في كرة القدم، الذي جمع المنتخبين المغربي والسنغالي، وانتهى بتتويج «أسود التيرانغا» باللقب القاري. وهي المباراة التي تابعتها جماهير غفيرة في البلدين، وأثارت الكثير من الجدل بعد أن تخللتها توترات داخل أرضية الملعب وفي المدرجات وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين الحماسة الرياضية وصورة العلاقات بين الدول، خاصة عندما يتعلق الأمر ببلدين تجمعهما روابط تاريخية وثقافية عميقة.
وبدا واضحا أن هذه التوترات، عوض أن تشكل عائقا، تحولت إلى حافز في الخطاب الدبلوماسي المصاحب لاجتماع اللجنة العليا المشتركة؛ فقد حرص المسؤولون في الرباط ودكار على وضع ما جرى في سياقه الرياضي والعاطفي، وتفادي أي تأويل سياسي أو ثقافي من شأنه تضخيم تداعياته. واعتبر الوزير الأول السنغالي أن تلك الأحداث تندرج ضمن «انزلاقات نابعة من الشغف»، مؤكدا أن العلاقات المغربية-
السنغالية «أعمق من كرة القدم»، وهي رسالة موجهة أساسا إلى الرأي العام في البلدين.
وتوّجت أعمال اللجنة العليا المشتركة بتوقيع 17 اتفاقية تعاون ومذكرة تفاهم، شملت قطاعات استراتيجية متنوعة، من بينها الصناعة والتجارة، والفلاحة والصيد البحري، والموانئ واللوجستيك، والتعليم العالي، إضافة إلى المجال القنصلي وقطاع الشباب. وتندرج هذه الاتفاقيات في إطار تعزيز نموذج «التعاون جنوب-جنوب»، الذي تراهن عليه الرباط ودكار كخيار استراتيجي لمواجهة تحديات التنمية، وتقليص التبعية الاقتصادية للأسواق التقليدية.
على الصعيد السياسي، جددت السنغال موقفها التاريخي الداعم لسيادة المغرب على الصحراء، معتبرة أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الحل الواقعي للنزاع، وهو موقف حافظت عليه دكار على مدى سنوات، رغم التحولات الإقليمية والدولية. ويعكس بحسب متابعين، استمرارية في السياسة الخارجية السنغالية تجاه المغرب، بغض النظر عن تغير الحكومات أو السياقات، ما يمنحه بعدا استراتيجيا يتجاوز الحسابات الظرفية. أما فيما يتعلق بالشق الاقتصادي، فقد ناقش الطرفان سبل معالجة العجز التجاري المسجل لصالح المغرب، في ظل سعي السنغال إلى تحقيق توازن أكبر في المبادلات الثنائية. كما جرى التأكيد على انخراط دكار في المبادرة الملكية الأطلسية ومشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا، اللذين ينظر إليهما كرافعتين أساسيتين للاستقرار الطاقي والتنمية الإقليمية في غرب إفريقيا. ودعا الجانبان، في هذا الإطار، إلى إشراك أوسع للقطاع الخاص عبر «المنتدى الاقتصادي» الذي انعقد على هامش أعمال اللجنة، باعتباره فاعلا محوريا في تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة.
ويرى متابعون أن الحصيلة السياسية والاقتصادية لهذا الاجتماع، وإن بدت متوقعة بالنظر إلى طبيعة العلاقات الثنائية، إلا أنها اكتسبت بعدا إضافيا بفعل السياق الرياضي المتوتر الذي سبقها. وكان الرهان الأساسي هو إعادة توجيه النقاش العام، والتأكيد على أن العلاقات بين البلدين لا يمكن اختزالها في نتائج مباراة أو ردود فعل آنية مهما كانت حدتها. وهو ما أكده عزيز أخنوش رئيس الحكومة المغربية، خلال افتتاح اللقاء الثنائي، حين قال إن العلاقات المغربية-السنغالية «طبيعية ودائمة، وليست وليدة اللحظة أو تحالفات ظرفية»، مؤكدا أنها تستند إلى روابط إنسانية ودينية واقتصادية متجذرة. كما جدد الالتزام بتعزيز التعاون الثنائي والدفع بالشراكة الاستراتيجية إلى مستويات أعلى، في انسجام مع التوجه المغربي نحو تعميق حضوره في القارة الإفريقية.
كما اتسم خطاب الوزير الأول السنغالي بنبرة دبلوماسية امتزج فيها البعد السياسي بالبعد العاطفي، حين أكد أن العلاقات بين دكار والرباط «تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا، لتصل إلى روابط الدم والروح». ولم يفته استحضار التوترات التي أعقبت نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، مشددا على أن التنافس الرياضي يجب أن يظل محصورا داخل المستطيل الأخضر، وأن الروح الرياضية هي الإطار الأمثل للتعامل مع مثل هذه اللحظات.
واستبعد سونكو أي قراءة سياسية أو ثقافية للحوادث التي رافقت النهائي القاري، معتبرا أنها أقرب إلى انزلاقات عاطفية ناتجة عن الحماسة الجماهيرية، لا إلى مؤشرات على قطيعة بين بلدين تجمعهما علاقات أعمق من أن تهزها مباراة كرة قدم. كما أوضح أن زيارته للرباط ليست «زيارة تهدئة»، بل محطة سياسية مبرمجة سلفا، تهدف إلى التأكيد على ثبات الخيارات الاستراتيجية بين البلدين، رغم السياق المشحون.
وأضاف أن هذه اللحظة هي اختبار لقدرة الدول على الفصل بين العاطفة والقرار، معتبرا أن «الكان لم يضع المغرب والسنغال في مواجهة، بل وضع شدة الشغف الوطني في فضاء واحد»، داعيا إلى عدم إنكار التجاوزات ولا تضخيمها، بل التعامل معها بوصفها ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالرياضة، لا أزمة سياسية كامنة.
ويرى مراقبون أن الرسالة الأبرز التي حملتها هذه الدورة من أعمال اللجنة العليا المشتركة، هي تأكيد السنغال، بقيادتها الجديدة، على استمرار تحالفها مع الرباط، مع تحييد التوترات الشعبية المرتبطة بالتنافس الرياضي. كما لفتوا إلى أن الخطاب السنغالي وصف المغرب بكونه «شريكا استراتيجيا أساسيا»، مستحضرا الروابط الدينية والطرق الصوفية، ولا سيما الطريقة التيجانية، التي تشكل بعدا رمزيا وإنسانيا مهما في العلاقات بين الشعبين.
وتميزت أعمال اللجنة بمأدبة غداء أقامها العاهل محمد السادس على شرف الوزير الأول السنغالي، وترأسها نظيره المغربي عزيز أخنوش، في خطوة تحمل دلالات سياسية ورمزية، عكست حرص القيادتين على تثبيت مسار التعاون، والتأكيد على أن ما يجمع الرباط ودكار يتجاوز الحسابات الظرفية، نحو شراكة يراد لها أن تبقى ثابتة في محيط إقليمي متقلب.


















