من النقد إلى العبث: حين تتحول هزيمة جزائرية إلى مؤامرة كونية

11 يناير 2026
من النقد إلى العبث: حين تتحول هزيمة جزائرية إلى مؤامرة كونية

كلاش بريس / عبد اللطيف بلوقات

في كأس أمم إفريقيا “كان المغرب 2025”، الممتدة بين دجنبر 2025 ويناير 2026، تعادل المنتخب المغربي مع منتخب مالي بنتيجة (1–1) في مباراة صعبة جرت يوم 26 دجنبر. ورغم أن النتيجة كانت عادية في منطق كرة القدم، فإن ردّ الفعل داخل المغرب لم يكن متسامحاً ولا تبريرياً.

الإعلام المغربي فتح نقاشاً حاداً ومسؤولاً، وُجّهت فيه الانتقادات إلى أداء اللاعبين، وخيارات المدرب وليد الركراكي، وطريقة تدبير المباراة. كما عرفت منصات التواصل الاجتماعي موجة غضب ومساءلة، عبّرت عن قناعة راسخة مفادها أن المنتخب لا يُحمى بالصمت، بل يُقوَّم بالنقد، مهما كان قاسياً.

على النقيض تماماً، كشفت طريقة تعاطي جزء من الإعلام الجزائري مع إخفاق منتخب بلاده عن انتقال مقلق من منطق التحليل الرياضي إلى مستوى من العبث لا يخدم لا الكرة ولا الجمهور. فبدل تشخيص الأعطاب التقنية والتكتيكية، وطرح أسئلة حقيقية حول مستوى اللاعبين، والاختيارات الفنية، وغياب مشروع رياضي واضح، جرى اللجوء إلى خطاب المظلومية والبحث عن شماعات خارج المستطيل الأخضر.

الأخطر في هذا المسار، هو انزلاق بعض المنابر الإعلامية الجزائرية إلى اتهام إسرائيل بالتدخل في نتائج كأس أمم إفريقيا، في سابقة تفتقد إلى أي منطق رياضي أو سند واقعي. اتهام لا يستند إلى معطيات، ولا إلى دلائل، بقدر ما يعكس عجزاً عن تقبّل الهزيمة، ومحاولة يائسة لتحويل الفشل الرياضي إلى مؤامرة جيوسياسية.

حين يصل التحليل الرياضي إلى هذا المستوى من الخيال، فإننا لا نكون أمام نقد، بل أمام إنكار تام للواقع. فكيف يمكن إعداد منتخب قوي للمستقبل، إذا كان الإعلام نفسه يزرع في وعي الجمهور أن سبب الإقصاء ليس ضعف الأداء أو سوء التدبير، بل “تدخلات خارجية” لا علاقة لها بالميدان؟

إن المنتخب الجزائري، وفق ما أظهرته المباريات، يعاني تراجعاً واضحاً في المستوى، وضعفاً في الانسجام، وغياباً للرؤية التكتيكية. وهذه حقائق لا يمكن تجاوزها بتوجيه الاتهام مرة للحكام، ومرة لمسؤولين رياضيين في دول أخرى، ومرة — في قفزة غير مسبوقة — لإسرائيل.
المفارقة أن هذا الخطاب لا يقتصر على المجال الرياضي، بل يتكرر في ملفات أخرى، حيث يتم الهروب من النقد الذاتي وتعويضه بخطاب الشكوى، في وقت يشهد فيه العالم تحولات سريعة، وتُبنى فيه المواقف والتحالفات على أساس المصالح والعمل لا على العواطف والضجيج.

الدول التي تتقدم اليوم هي تلك التي تمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائها، وتتعامل مع الهزيمة كدرس، لا كذريعة. أما تحويل كل إخفاق إلى مؤامرة كونية، فلن ينتج إلا مزيداً من الإحباط، ويُبعد أي أفق للإصلاح….فالرياضة لا تُبنى بالعويل، ولا بالاتهامات المجانية، ولا باستحضار أطراف لا علاقة لها بالمنافسة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة