بقلم عبد اللطيف أيت بوجبير / محام
في خطوة نحو تعميق البناء الديمقراطي وترسيخ الحكامة، شرعت المملكة المغربية في إصلاح شامل للقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، من خلال مشروع القانون رقم 54.25 الذي يعدل القانون الحالي 29.11. وتتجاوز هذه التعديلات مجرد الترقيع القانوني لتلامس جوهر العمل السياسي، وتستهدف معالجة تحديات مزمنة طالما أثرت على مصداقية الفعل الحزبي، من “الترحال السياسي” إلى شفافية التمويل.
ويمثل هذا المشروع إطارًا قانونيا جديدًا يسعى لتحويل الأحزاب إلى “مدرسة حقيقية للديمقراطية ومشتلا لتكوين النخب”.
ولتحقيق هذه الغاية وضع المشروع الجديد هدفًا استراتيجيًا يتمثل في إعادة المصداقية للعمل السياسي. هذه الغاية التي تتطلب بالضرورة إصلاحات داخلية وهيكلية. وفي هذا السياق، جاءت مستجدات تشجع على ضخ دماء جديدة في قيادة الأحزاب؛ إذ نصت فقرات مستجدة على إمكانية استفادة الأحزاب من دعم إضافي لتغطية مصاريف المؤتمر الاستثنائي، شريطة أن يُسفر عن انتخاب مسؤول وطني جديد للحزب. هذا التوجه، وإن لم يكن تصريحًا مباشرًا، يسير نحو تشجيع الأحزاب على القطع مع ظاهرة “الزعماء الخالدين” وتجديد نخبها القيادية بشكل دوري.
كما تسعى التعديلات إلى توسيع صلاحيات الأحزاب، حيث سُمح لها بالاستثمار في مقاولات إعلامية، وهو ما يعزز من قدرتها على التأطير والتواصل الجماهيري. ويُضاف إلى ذلك منحها إعفاءات ضريبية على ممتلكاتها، وإمكانية استعارة موظفين عموميين في إطار الوضع رهن الإشارة، لتعزيز بنيتها الإدارية والتقنية.
وقد كان هاجس حوكمة التمويل وضبطه حاضرا أيضا لأن تنظيم تمويل الأحزاب يعد أحد أهم الأعمدة الإصلاحية. بحيث يهدف المشروع إلى ربط دعم الدولة الممنوح للحزب بعدد الأصوات المحصل عليها في الانتخابات، وهو ما يربط الدعم المالي بفعالية الحزب وحضوره الجماهيري.
لكن المادة 44 تضمنت أقوى آليات الضبط، حيث نصت على تجريم التخلف عن الإدلاء بالحساب السنوي لثلاث سنوات متتالية، مانحة السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية الحق في تقديم طلب لحل الحزب المعني أمام المحكمة الابتدائية الإدارية بالرباط، التي تقرر الحل خلال أجل 30 يومًا. هذا يمثل تفعيلًا صارمًا لمبدأ المساءلة المالية ويجعل الرقابة القضائية (عبر محكمة مختصة) هي الفيصل في مصير الأحزاب، بعد إلغاء “الحل الإداري”.
وتعزيزاً للشفافية، شددت المادة 45 على ضرورة أن يتضمن حساب الحملة الانتخابية لكل حزب “بياناً مفصلاً لمصادر تمويل الحملة”، مع منع الأشخاص الاعتباريين من القانون الخاص من تقديم دعم مالي مباشر أو غير مباشر للأحزاب، ما يسد ثغرة محتملة لتأثير رؤوس الأموال الخاصة على القرار الحزبي والسياسي.
ولم يغب هاجس مواجهة الترحال السياسي والذكاء الاصطناعي عن روح مشروع القانون ولم يغفل المشروع هذا التحدي الأخلاقي فقد تم إقرار آليات جديدة لمنع هذه الظاهرة التي تُضعف الثقة في العمل الحزبي وتُخل بتمثيلية الناخبين.
وفي سياق متصل، برزت أهمية مستجدين قانونيين يواجهان التحديات الحديثة وهما من جهة تجريم التشكيك في الانتخابات لأنه الموازاة مع مشروع الأحزاب، صدر مشروع قانون يجرّم نشر الأخبار الزائفة التي تستهدف التشكيك في نزاهة الانتخابات، مع فرض عقوبات بالسجن والغرامة ومن جهة أخرى إمكانية تأثير الذكاء الاصطناعي وخطورته في إنتاج وتوزيع صور وفيديوهات مضللة (Deepfakes)، وهو ما يفرض ضرورة تشديد الرقابة القانونية لحماية سلامة ونزاهة العملية الانتخابية من التلاعب الرقمي.
وبشكل عام، يمثل مشروع القانون التنظيمي الجديد المتعلق بالأحزاب السياسية خارطة طريق متكاملة تهدف إلى عقلنة وتأهيل المشهد الحزبي المغربي. فمن ترسيخ دور القضاء كمرجعية وحيدة للبت في مصير الأحزاب، إلى ربط الدعم بأداء الحزب في الانتخابات، وصولاً إلى تشجيع تجديد النخب وتوسيع صلاحيات الأحزاب، تعمل هذه الإصلاحات على إرساء منظومة تزاوج بين حرية العمل السياسي والمسؤولية القانونية والمالية. ومن المنتظر أن يساهم هذا الإطار في تعزيز الثقة الشعبية في المؤسسات الحزبية، شريطة التفعيل الصارم لآليات الرقابة والضبط.
مشروع قانون الأحزاب السياسية.. نحو “مدرسة ديمقراطية” وضبط للتمويل والترحال.


















