ليلة البنزين… حين تُرِكَ المواطن وحيداً في سوق المحروقات

16 مارس 2026
ليلة البنزين… حين تُرِكَ المواطن وحيداً في سوق المحروقات

فتح الله حافظي

في مساء يوم الأحد الماضي، بدا المشهد أمام محطات الوقود أقرب إلى حالة هلع جماعي صغيرة. طوابير طويلة من السيارات، أبواق متوترة، ووجوه مشدودة تحمل ذلك القلق الصامت الذي يعرفه المغاربة جيداً كلما تسرب خبر عن زيادة جديدة في أسعار المحروقات.
لم تكن هناك حرب، ولا أزمة تزويد، ولا نقص في الوقود.

كان هناك فقط خبر عن زيادة مرتقبة (درهمان) مع حلول منتصف الليل.
ومع ذلك اندفع الناس نحو المحطات كما لو أن الزمن نفسه صار خصماً ينبغي التغلب عليه. كل واحد يريد أن يملأ خزان سيارته قبل أن تستيقظ الأرقام على الشاشات وتقرر الصعود.

لكن المفارقة التي جعلت المشهد يبدو سريالياً حقاً أن بعض المحطات لم تنتظر منتصف الليل أصلاً. رفعت الأسعار قبل موعدها، ببساطة وهدوء، وكأن الزمن يمكن أن يُقدَّم ساعة أو ساعتين عندما يتعلق الأمر بالربح.
هكذا اكتملت الصورة:
مواطنون يركضون خوفاً من الغلاء…
وبعض أرباب المحطات يركضون أسرع نحو الربح.
غير أن هذه الليلة ليست حادثة معزولة، بل مجرد عرض جانبي لقصة بدأت قبل سنوات، عندما قررت الحكومة الملتحية التي يقودها عبد الإلاه بنكيران، آنذاك تحرير أسعار المحروقات ورفع يد الدولة عن تحديدها.
قيل يومها إن السوق ستتكفل بالباقي.
قيل إن المنافسة ستخفض الأسعار.
وقيل إن «آليات السوق» أكثر عدلاً وكفاءة من تدخل الدولة.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفاً تماماً.
تحررت الأسعار بالفعل… لكن السوق لم تتحرر من الهيمنة. اختفى الدعم …لكن
لم تظهر منافسة حقيقية. ارتفعت الأسعار
بسرعة… بينما ظل الانخفاض بطيئاً ومتردداً.
وبين كل ذلك وجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة سوق قوية بلا درع يحميه.
لقد جرى تحرير المحروقات في المغرب بطريقة غريبة:
تحرير سريع للأسعار…
لكن من دون بناء الضمانات التي تحمي المستهلك. لم تفرض شفافية حقيقية
على هوامش الربح. ولم تُبْنَ آليات صارمة لضبط المنافسة. ولم يشعر المواطن أن
هناك سلطة قادرة فعلاً على مواجهة لوبي المحروقات، وكبح جشع السوق حين ينفلت، وهكذا مع مرور السنوات، تحول
«تحرير المحروقات» من إصلاح اقتصادي مزعوم إلى واحد من أكثر القرارات إثارة للجدل في السياسة الاقتصادية المغربية.
فالتحرير في معناه الحقيقي يعني سوقاً تنافسية مفتوحة.
أما ما حصل عملياً فكان أقرب إلى رفع يد الدولة وترك المواطن أعزل أمام سوق مركزة وقوية.
لذلك لم يكن مشهد الطوابير أمام محطات الوقود مجرد رد فعل على زيادة في الأسعار. كان تعبيراً عن شيء أعمق بكثير: فقدان الثقة في سوق لا يعرف المواطن كيف تُحدد أسعاره، ولا من يضبطها، ولا من يحميه من تقلباتها.
في تلك الليلة كان المشهد واضحاً إلى حد القسوة:
مواطنون يتسابقون خوفاً من الغلاء…
ومحطات وقود لا تتردد في رفع الأسعار حتى قبل أن تدق الساعة.
بين الاثنين يقف قرار سياسي اتُّخذ قبل سنوات، قيل إنه إصلاح، لكنه ترك سؤالاً ثقيلاً يتردد كل مرة ترتفع فيها الأسعار:
هل كان تحرير المحروقات تحريراً للسوق فعلاً…
أم كان ببساطة تحريراً لجشع السوق من أي قيد يحمي المواطن؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة