عبد الحق غريب
صدر القانون 01.00 في الجريدة الرسمية بتاريخ 25 ماي 2000، وتم نسخه بالقانون 59.24 بتاريخ 23 فبراير 2026، أي أن العمل به دام نحو 25 سنة و9 أشهر.
خلال هذه المدة الطويلة، لم يتم تفعيل المادة 17 المتعلقة بالمستخدمين، وذلك بفضل موقف النقابة الوطنية للتعليم العالي التي تصدت لتطبيقها.. كما بقيت المادة 20 الخاصة بتعيين رؤساء المؤسسات الجامعية شبه معطلة بسبب ضعف الإلمام بمقتضيات القانون داخل مجالس الجامعات أو الجهل بها، وهو ما حال دون تفعيلها كما ينبغي.
كيف عطلت مجالس الجامعات العمل بالمادة 20 من القانون 01.00؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولا من التذكير بما تنص عليه هذه المادة :
“يسير الكليات والمدارس والمعاهد لمدة أربع سنوات عمـداء بالنسبة للكليات ومديرون بالنسبة للمدارس والمعاهد يختارون بعد إعلان مفتوح للترشيحات من بين أساتذة التعليم العالي الذين يقدمون بصفة خاصة مشروعا لتطوير المؤسسة الجامعية المعنية.
تدرس وترتب هذه الترشيحات والمشاريع من قبل لجنة تعينها لهذا الغرض السلطة الحكومية الوصية بناء على اقتراح من رئيس الجامعة؛ وتعرض للدراسة على مجلس الجامعة الذي يقدم لهذه السلطة ثلاثة ترشيحات تخضع للمسطرة المعمول بها فيما يتعلق بالتعيين في المناصب العليا.”
بعد انتهاء لجنة الانتقاء من أشغالها، المتمثلة في دراسة المشاريع وإجراء المقابلات (l’entretien)، كانت تُعد لائحة للمترشحين مرتبة حسب النقط المحصل عليها، بناء على ثلاثة عناصر أساسية: السيرة الذاتية (100 نقطة)، ومشروع تطوير المؤسسة (100 نقطة)، ونتائج المقابلة (100 نقطة)..
ثم تُحال هذه اللائحة على رئيس الجامعة في ظرف مغلق لعرضها على المجلس..
ويزعم رؤساء الجامعات انه لا علم لهم بترتيب المترشحين، وأنهم يطلعون عليه مثلهم مثل باقي أعضاء مجلس الجامعة، بحجة انهم يتوصلون من لجنة الانتقاء بظرف “مشمع” يتضمن النتائج، ولا يفتحونه إلا أمام مجلس الجامعة.
والحقيقة يعرفها الجميع.. أكثر من 25 سنة ورؤساء الجامعات كانوا يلعبون دور ممثل رديء في مسرحية مباريات شغل منصب عميد كلية أو مدير مدرسة.. الكل كان يعلم انهم يشكلون لجن على المقاس لاختيار مرشحهم المفضل، والذي يأتي على رأس اللائحة.. إلا من رحم ربك.
كيف كان رؤساء الجامعات يتعاملون مع هذه اللوائح داخل مجالس الجامعات؟
كان رؤساء الجامعات، بعد فتح الأظرفة، يعرضون اللائحة كاملة كما أعدتها لجنة الانتقاء، بالترتيب حسب “الاستحقاق”، ويطلبون من المجلس المصادقة على المترشحين الثلاثة الأوائل، بعد التذكير بمسطرة الترشيحات وسلامتها من اي عيب شكلي.
أين الخلل؟
هذه الطريقة في عرض الترشيحات على مجالس الجامعات كانت تفرغ مقتضيات المادة 20 من القانون 01.00 من مضمونها.
فالمادة تنص صراحة على أن مجلس الجامعة يدرس الترشيحات ويقترح ثلاثة أسماء على السلطة الحكومية الوصية.. وهو ما يعني أنه لا يوجد ما يلزم المجلس بالمصادقة على الثلاثة الأوائل وفق ترتيب لجنة الانتقاء.
غير أن الاقتصار، في كثير من الحالات، على عرض الثلاثة الأوائل، والاكتفاء بالمصادقة الشكلية عليهم وفق الترتيب الذي أعدته لجنة الانتقاء، كان يُحول المجلس إلى مجرد هيئة للتزكية، بدل أن يمارس دوره في التداول والنقاش والاختيار، كما يقتضي ذلك روح القانون.
بعبارة أخرى، يمكن القول أنه لا يوجد أي نص قانوني أو مسوغ صريح يمنع مجلس الجامعة من المصادقة على ثلاثة مترشحين خارج الثلاثة الأوائل، كأن يصادق مثلا على الأول والثالث والرابع، أو على الثاني والرابع والخامس، وغير ذلك من التركيبات الممكنة..
القانون 01.00 منح أعضاء مجلس الجامعة هامشا واسعا من الصلاحيات، كحق تسجيل التحفظات، وحق الاعتراض، وحق طلب التوضيحات، بل وحق رفض اللوائح متى استدعى الأمر ذلك.. لكن، للأسف، لا يُمارس أي من هذه الصلاحيات كما ينبغي.
وهنا يطرح سؤال بسيط، مفاده ما جدوى عرض لائحة لجنة الانتقاء على مجلس الجامعة إن لم يكن له الكلمة الفصل في تحديد الأسماء الثلاثة المرفوعة إلى الوزارة؟
وتجدر الإشارة إلى أنه، حسب علمي، لم تُسجل منذ دخول القانون 01.00 حيز التنفيذ سوى حالتين فقط لمجالس جامعات، قررت ممارسة صلاحياتها واختارت عدم المصادقة على الأسماء الثلاثة الأوائل (قد تكون هناك حالات أخرى).. وهو رقم يطرح سؤالا مهما: هل كانت مئات اللوائح التي صادقت عليها مختلف مجالس الجامعات خالية تماما من النقائص؟ أم أنها لم تمارس دورها وفق ما ينص عليه القانون.
ختاما… ما يحز في النفس كثيرا هو أن بعض أعضاء مجالس الجامعات كانوا، في حالات عديدة ولمدة ربع قرن، يعلمون يقينا بوجود شبهات فساد حول بعض المترشحين ضمن الثلاثة الأوائل، أو يعلمون أن المتصدر للائحة لا يستحق تلك المرتبة وإنما نالها لقربه من رئيس الجامعة، ومع ذلك لم يعترض أحد.. والنتيجة، عمداء ومديرون إما عاثوا فسادا، أو أخفقوا إخفاقا ذريعا في تسيير مؤسساتهم وتدبيرها.


















