كلاش بريس /. الرباط
في مثل هذا اليوم من سنة 1962، خرج الشعب الجزائري للاحتفال بانتصاره على واحدة من أعقد الإمبراطوريات الاستعمارية في العالم. يوم مجيد، دُوِّن بالدم والتضحيات، واستُقبل بالزغاريد في القرى والمدن، ليس فقط في الجزائر، بل أيضًا عبر حدودها الغربية، في المغرب، الذي لم يكن يومًا بعيدًا عن تفاصيل هذا النصر.
في عيد الاستقلال الجزائري، وبينما تُرفع الأعلام وتُلقى الخطب، لا يمكن إلا أن نستحضر دور المغرب، شعبًا وملكًا وحكومة، في دعم ثورة التحرير الجزائرية، يوم كانت الكلمة تهمة، والدعم جريمة، والموقف المبدئي ثمنه دم.
منذ انطلاق شرارة الثورة في فاتح نوفمبر 1954، آمن الملك محمد الخامس أن استقلال المغرب لا يكتمل إلا باستقلال الجزائر. ولم تكن تلك مجرد شعارات عابرة، بل تحولت إلى مواقف عملية تجسدت على الأرض: استقبال القادة، فتح الحدود، تسليح المجاهدين، واحتضان معسكرات التدريب. وجدة، فكيك، الناظور، وبركان، لم تكن مجرد مدن مغربية حدودية، بل كانت شرايين لوجيستيكية للثورة الجزائرية.
القادة المؤسسون للجزائر المستقلة – بن بلة، بوضياف، آيت أحمد – مشوا على تراب المغرب، وتلقوا فيه الدعم والتأييد، وتم تسويق قضيتهم دوليًا من خلال المنابر التي فتحها المغرب أمامهم، في زمن لم تكن فيه مواقف التحرر تحظى بإجماع.
بل إن المغرب، في عز نشوة استقلاله، أجّل مطالبه الترابية التاريخية في الصحراء الشرقية، ورفض الدخول في مفاوضات مباشرة مع فرنسا حول أراضيه، احترامًا للثورة الجزائرية، وتفاديًا لأي استغلال استعماري يزرع الفتنة بين الإخوة.
اليوم، وبعد 63 سنة من الاستقلال، وفي لحظة احتفال وطني كبير، يحق للشعب الجزائري أن يفخر بثورته، كما يحق له أيضًا أن يتذكّر من وقف معه يوم اشتدت المعركة، لا مَن انتظر نتائجها.
إنه تذكير لا يُراد منه مزايدة ولا استجداء اعتراف، بل فقط تثبيت لحقيقة تاريخية ينبغي أن تبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب، حتى لا تُزيفها الحسابات الظرفية ولا التوترات العابرة.
التاريخ لا يُعاد كتابته كلما تغيّر المزاج السياسي، والذاكرة لا تخضع للحدود. لذلك، ففي عيد استقلال الجزائر، يستحق المغرب أن يُذكر بما قدّمه، لا أن يُقصى مما شارك في صناعته.


















