دار الثقافة بأولاد عياد… بناية قائمة وإشعاع ثقافي غائب

منذ ساعتين
دار الثقافة بأولاد عياد… بناية قائمة وإشعاع ثقافي غائب

كلاش بريس / أولاد عياد

في الوقت الذي أصبحت فيه الثقافة أحد أهم المؤشرات التي تقاس بها حيوية المدن وتطورها، ما تزال العديد من المدن الصغرى والمتوسطة تعاني من ضعف الإشعاع الثقافي رغم توفرها على بعض البنيات الأساسية. ومن بين هذه المدن مدينة أولاد عياد، التي تتوفر على دار للثقافة كان يفترض أن تشكل رافعة حقيقية للحياة الثقافية، غير أن واقع الحال يطرح تساؤلات عديدة حول مدى نجاح هذا الفضاء في أداء الدور المنتظر منه.

فدار الثقافة، من حيث المبدأ، ليست مجرد بناية أو فضاء مغلق، بل يفترض أن تكون قلباً نابضاً بالحياة الثقافية، ومجالاً مفتوحاً للإبداع الفني والفكري، وفضاءً يجمع المثقفين والشباب والجمعيات حول أنشطة متنوعة تسهم في تنشيط المشهد الثقافي المحلي. غير أن كثيراً من المتتبعين للشأن المحلي بأولاد عياد يرون أن هذا الفضاء لم يحقق بعد الإشعاع الثقافي الذي كانت الساكنة تطمح إليه.

ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن الإشكال لا يرتبط بغياب البنية التحتية بقدر ما يرتبط بضعف الدينامية الثقافية والبرمجة المستمرة. فالإشعاع الثقافي لا يتحقق بمجرد تشييد بناية تحمل اسم دار الثقافة، بل يحتاج إلى رؤية واضحة وبرامج منتظمة تشمل المسرح، والسينما، والندوات الفكرية، والأمسيات الشعرية، ومعارض الفن التشكيلي، إضافة إلى ورشات تكوينية لفائدة الشباب في مجالات الإبداع المختلفة.

كما أن المدن التي نجحت في خلق حركية ثقافية حقيقية غالباً ما تعتمد على شراكات قوية مع الجمعيات الثقافية، التي تشكل العمود الفقري لأي نشاط ثقافي محلي. فالجمعيات قادرة على ابتكار المبادرات وتنظيم التظاهرات واستقطاب الجمهور، لكن ذلك يظل رهيناً بتوفير الدعم والتشجيع وفتح الفضاءات الثقافية أمام هذه الطاقات المحلية.

ومن بين النقاط التي يثيرها عدد من الفاعلين أيضاً غياب مواعيد ثقافية قارة يمكن أن تشكل علامة مميزة للمدينة، مثل مهرجانات ثقافية أو ملتقيات أدبية أو أيام للفنون الشعبية. فمثل هذه التظاهرات لا تنشط الحياة الثقافية فقط، بل تساهم كذلك في التعريف بالمدينة وتعزيز حضورها على الخريطة الثقافية للمنطقة.

وفي السياق ذاته، يشدد مهتمون على ضرورة إشراك المؤسسات التعليمية في تنشيط المشهد الثقافي، من خلال دعم الأندية الثقافية داخل المدارس وتنظيم مسابقات في القراءة والمسرح والكتابة الإبداعية. فالشباب يشكلون الخزان الحقيقي للمواهب، ومن دون إشراكهم في الفعل الثقافي يصعب الحديث عن إشعاع ثقافي مستدام.

كما يظل الإعلام المحلي ووسائل التواصل الاجتماعي عنصراً أساسياً في الترويج للأنشطة الثقافية وإيصالها إلى أوسع فئة من الساكنة. فالكثير من المبادرات الثقافية قد تظل محدودة الأثر بسبب ضعف التواصل والتعريف بها.

ورغم هذه التحديات، فإن مدينة أولاد عياد تمتلك كل المقومات التي يمكن أن تجعلها فضاءً ثقافياً حيوياً، خاصة في ظل وجود طاقات شبابية واعدة ومواهب في مجالات الأدب والفن والمسرح. غير أن تحقيق هذا الطموح يتطلب إرادة حقيقية لتفعيل الفضاءات الثقافية وتوفير برمجة مستمرة ومنفتحة على مختلف الفاعلين.

إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على إنشاء البنيات الثقافية، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرتها على إنتاج دينامية ثقافية حقيقية داخل المجتمع المحلي. فحين تتحول دار الثقافة إلى فضاء يعج بالحياة والأنشطة، ويجد فيه الشباب فرصة للتعبير عن مواهبهم، يمكن حينها القول إن المدينة بدأت فعلاً تخطو خطواتها نحو تحقيق الإشعاع الثقافي الذي تطمح إليه.

وفي انتظار ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: هل تتحول دار الثقافة بأولاد عياد إلى منصة حقيقية للإبداع والحياة الثقافية، أم ستظل مجرد بناية صامتة في مدينة تبحث عن إشعاعها الثقافي؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة