خطيئة القاسم الانتخابي وفرصة التصحيح

24 نوفمبر 2025
خطيئة القاسم الانتخابي وفرصة التصحيح

نبيل شيخي

في ظل تواتر ملفات الفساد الثقيلة والمؤلمة التي بتنا نستفيق على إيقاعها ومستجداتها كل يوم، وأمام استئثار تفاصيلها وتداعياتها بحيز واسع من النقاش العمومي، حجب هذا الواقع -مع الأسف الشديد- تناول مشاريع قوانين مهمة ومفصلية بما تستحقه من تمحيص ونقاش لتجاوز ما يعتريها من اختلالات. ويتعلق الأمر هنا بمشاريع القوانين الانتخابية التي يتم التداول بشأنها حاليا بمجلس النواب.

ففي سياق مراجعة النصوص المؤطرة للاستحقاقات المقبلة، وتحت سقف الخطاب الداعي إلى تحصين الخيار الديمقراطي وضمان نزاهة العمليات الانتخابية، كنا نُمنّي النفس بالتقاط إشارات سياسية قوية تُعزز الثقة وتبرهن على حسن النية؛ ومن ضمنها، على سبيل المثال، التراجع عن القاسم الانتخابي “الغريب” الذي اعتُمد عشية انتخابات 2021.

لقد اعتُمِد هذا القاسم، في سياق سياسي معلوم، وبأجندة مكشوفة استهدفت -حينئذ- تحجيم حضور حزب العدالة والتنمية الذي كان يتصدر المشهد. وكأن لسان حال تلك المرحلة كان يسمح بالتوسل بكل الإجراءات والتدابير الاحترازية، حتى لو كانت متعارضة مع المعايير الديمقراطية الفضلى، ما دامت تؤدي إلى هذه الغاية المنشودة.

إن الجوهر الحقيقي لأي ممارسة ديمقراطية سليمة من المفروض أن يستند إلى معادلة بسيطة وراسخة مفادها أن الإرادة الشعبية المعبر عنها في الصناديق يجب أن تجد طريقها إلى المؤسسات بأكبر قدر من الأمانة؛ فهذا التعاقد هو حجر الزاوية للشرعية التمثيلية. ومن هنا، شكل هذا القاسم المبتَدَع، الذي يعتمد قاعدة المسجلين بدلاً من الأصوات الصحيحة، انحرافاً صريحاً عن المنطق الديمقراطي كما تعارفت عليه جميع دول العالم.

ولا بأس هنا من التذكير بأبجديات الفقه القانوني الانتخابي؛ فالنظم الانتخابية النسبية وُجدت أصلاً لترجمة الأصوات المُعبّر عنها إلى مقاعد، باعتبار التصويت فعلاً إيجابياً واعياً، بينما يبقى الامتناع موقفاً سلبياً لا يستقيم أن يُترجم إلى مكاسب رقمية. إذ لا يُعقل، منطقاً وعدلاً، أن يُنتِج “العدم” (أي عدم التصويت) أثراً تمثيلياً يزاحم “الفعل” (أي التصويت)، لأن ذلك يُسهم في تمييع العلاقة بين صوت الناخب ومخرجات العملية الانتخابية.

فبينما تتجه الصيغ العالمية إلى قسمة أصوات كل لائحة على مجموع الأصوات الصحيحة، فإن إقحام كتلة المسجلين برمتها في المقام يرفع كلفة المقعد بشكل مصطنع، ويُحوّل عملية الفرز -عملياً- في كثير من الحالات من منطق الاقتراع اللائحي إلى مجرد توزيع للمقاعد بقاعدة أكبر البقايا منذ البداية.

وصفوة القول، ورغم هامش التفاؤل الضيق، فإن الأمل، يبقى، رغم ذلك، معلقا على التعديلات التي ستقدمها الفرق البرلمانية، على القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب. إنها اللحظة المناسبة لاستعادة المنطق السليم والعودة، بكل شجاعة، إلى الأصل الديمقراطي باحتساب القاسم بناءً على الأصوات الصحيحة. ولا ضير في ذلك؛ فالرجوع إلى الحق فضيلة وتصحيح للمسار.

إن تحصين أصوات الناخبين لا يتم من خلال نظام انتخابي هجين صيغ في لحظة هندسة سياسية متجاوزة، بل يُبنى بقواعد تعزز الوضوح والمصداقية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحترم، قبل كل شيء آخر، ذكاء المواطن وقيمة صوته.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة