خارج شماعة المؤامرة: الإخفاق الذي صنعه “عناد” الركراكي

29 يناير 2026
خارج شماعة المؤامرة: الإخفاق الذي صنعه “عناد” الركراكي

كلاش بريس /. القسم الرياضي

بعيداً عن الضجيج الذي رافق الخروج، ومحاولات الهروب إلى شماعات جاهزة من قبيل التحكيم وقرارات “الكاف”، يصبح من الضروري التحلي بالجرأة لمواجهة جوهر المشكلة. فالمنتخب المغربي لم يسقط بسبب عامل خارجي طارئ، بل نتيجة اختلالات داخلية تراكمت بصمت، وكان وليد الركراكي في قلبها، بصفته المسؤول الأول عن الاختيارات التقنية والتدبير النفسي للمجموعة.

منذ ملحمة مونديال قطر، بدا وكأن الجهاز التقني تعامل مع ذلك الإنجاز باعتباره نقطة نهاية لا محطة عبور. النجاح تحول إلى منطقة راحة، وأي نقد وُوجه بمنطق “الشرعية التاريخية”، في وقت كانت فيه المنتخبات المنافسة تطور أدواتها وتبحث عن حلول جديدة. دخل المغرب المنافسة بأسلوب مكشوف، بخيارات محدودة، وبإيقاع بات مألوفاً حتى للخصوم الأقل تجربة، دون أن تظهر أي ملامح لتجديد تكتيكي أو قدرة على مفاجأة المنافس.

الأخطر من الجمود التقني كان منطق التدبير البشري داخل المجموعة. فبدل أن يكون الاستحقاق هو الفيصل، تسربت العاطفة إلى الاختيارات، واستمر الاعتماد على أسماء لم تعد قادرة على تقديم الإضافة المطلوبة، بينما ظلت البدائل حبيسة الدكة أو خارج الحسابات. هذا الوضع أفرغ المنافسة الداخلية من معناها، وأضعف الحافزية الجماعية، وهو ما انعكس مباشرة على الأداء داخل الملعب.

وخلال المباريات الحاسمة، برز قصور واضح في قراءة أطوار اللعب والتفاعل مع متغيراته. التغييرات جاءت متأخرة، متوقعة، وتفتقر إلى الجرأة، وكأن الرهان كان دائماً على لحظة فردية لا على تصور جماعي واضح. في كرة القدم الحديثة، التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق، والمنتخب بدا عاجزاً عن التحكم في هذه التفاصيل عندما تشتد الضغوط.

أما النهائي، فقد شكّل لحظة كاشفة لأزمة أعمق تتجاوز الجانب التقني. ففي مباراة يُفترض أن تُدار بأعلى درجات الصلابة الذهنية، ظهر ارتباك غير مفهوم على مستوى القيادة، وأُهدرت فرصة حماية تركيز اللاعبين والدفاع عن حقهم داخل الملعب. تلك اللحظة لم تكن مجرد لقطة عابرة، بل مؤشر على خلل في التعامل مع المواقف الكبرى، حيث يُقاس القائد بقدرته على فرض هيبته لا بالتنازل عنها.

المؤلم في كل ذلك أن هذا الإخفاق جاء في وقت يمتلك فيه المغرب جيلاً من اللاعبين يعد من الأفضل في تاريخه. جيلاً كان في حاجة إلى رؤية متجددة، ونفس تنافسي جديد، لا إلى اجترار الماضي والاحتماء بإنجازات سابقة. قد تُسرق منك بطولة بقرار أو ظرف، لكن الذي لا يُغتفر هو التفريط في قيمة منتخب فقد تدريجياً هيبته بسبب سوء التدبير والعناد التقني.

التمسك بالاختيارات نفسها لم يعد وفاءً لما تحقق، بل إصراراً على استنزاف مرحلة كان يمكن أن تكون مفصلية في تاريخ الكرة المغربية. وفي كرة القدم، كما في الحياة، الشجاعة الحقيقية لا تكمن في الدفاع عن الماضي، بل في اتخاذ القرار الصعب عندما يفرض الواقع ذلك.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة