حين انحنى الرفض: الكأس ستعود… والسنغال ستذهب إلى الطاس

منذ 4 ساعات
حين انحنى الرفض: الكأس ستعود… والسنغال ستذهب إلى الطاس

فتح الله حافظي

في البداية، لم يكن مجرد رفض، بل كان إنكارًا صارخًا لسلطة القرار، ونبرة تحدٍ تكاد تقول إن القوانين تُطبَّق على الآخرين فقط. بالأمس، خرج عبد الله فال مباشرة بعد إعلان قرار تجريد منتخب بلاده من لقب كأس أمم إفريقيا 2025، معبرًا عن رفضه الحاد، وواصفًا القرار بأقبح النعوت الممكنة، ومعلنًا رفضه الصريح لإعادة الكأس المسروقة إلى مكانها الطبيعي في المغرب.

كانت الكلمات صاخبة، والأنغام في الخطاب تغذيها العاطفة والغرور، وكل جملة تحاول فرض أمر واقع أو شراء وقت إضافي. الأمس كان مشهدًا لمقامرة مكشوفة، رفع السقف إلى أقصاه، وكأنهم يراهنون على حدوث “معجزة” تنقذ الكأس من العودة القانونية. كل تصريح كان صدى لغضب الجماهير، وكل رفض كان محاولة لإقناع الرأي العام أن الحق في الكأس لهم، ولو خارج القانون.

لكن اليوم، تغير المشهد تمامًا. فجأة، يخرج فال ليعلن الالتزام وإعادة الكأس إلى المغرب، وكأن الأمس لم يكن سوى عرض درامي قصير، لكنه لا ينسى ترك الباب مواربًا أمام خيار اللجوء إلى الطاس، كخطوة أخيرة لإعادة ما اعتبره “حقًا ضائعًا”، محاولين تحويل الهزيمة إلى لعبة قانونية قد تمنحهم مزيدًا من الوقت أو تفتح ثغرات شكلية.

هذا التحول لا يمكن تلميعه بعبارات “الروح الرياضية” أو “احترام المؤسسات”، لأن الحقيقة أكثر صرامة: ما حدث هو تراجع تحت الضغط، لا اقتناعًا بالقرار. فالتحول جاء بعد أن لوّح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بالعقوبات —غرامات أثقل، إقصاء محتمل، وتضييق على الأندية والمنتخبات—ليصبح العناد عبئًا لا يُطاق. ولم تتوقف المخاطر عند حدود القارة، بل قد تمتد إلى الاتحاد الدولي، حيث تصبح العقوبات أكثر قسوة واتساعًا، وقد تمس الحضور الدولي برمته.

القيادة السنغالية، وإن متأخرة، أدركت أن الاستمرار في الرفض لن يغيّر النتيجة، بل سيضاعف الخسارة، وأن الكأس التي حاولوا الاحتفاظ بها خارج القانون قد تتحول إلى عبء ثقيل يجر وراءه عقوبات قارية ودولية. عندها فقط، يصبح “الامتثال” خيارًا اضطراريًا، لا فضيلة، بينما يظل خيار الطاس مجرد رهان أخير على ثغرات القانون، أكثر من كونه موقفًا أخلاقيًا أو وطنيًا.

ولن يكون من الإنصاف تجاه الجماهير تجاهل التناقض الصارخ بين الأمس واليوم: الأمس كان غضبًا مكشوفًا، رفضًا صاخبًا، تحديًا للقرارات، وتصعيدًا عاطفيًا، واليوم امتثالًا حذرًا، لغة دبلوماسية، وخطابًا يتحدث عن الالتزام، وكأن السنغال تعلمت الدرس متأخرة: القوة لا تأتي من الصراخ أو فرض الأمر الواقع، بل من فهم كيفية التحرك داخل المؤسسات، وحساب كل خطوة قبل أن تتحول إلى مأزق قانوني.

في قلب هذه المسرحية، سقطت كل السرديات التي حاولت التشكيك أو التشويش: تبخر خطاب “الظلم” و”المؤامرة”، وبقيت الحقيقة عارية: القرار صمد، والرفض انكسر، والكأس ستعود إلى مكانها الطبيعي في المغرب. أما الجامعة المغربية، فلم تحتج إلى جلبة موازية، لأنها تدرك أن المعارك الحقيقية لا تُحسم في المنابر، بل في ملفات تُقرأ بهدوء داخل غرف القرار.

وهنا تبرز الفكرة التي حاول البعض تجاهلها طويلًا: ما كان يُمارس بالأمس من ضغط، وابتزاز معنوي، ورفع سقف التهديد، لم يكن سوى شكل من أشكال “البلطجة الكروية” التي تراهن على الفوضى بدل القانون. واليوم، ومع أول احتكاك حقيقي بجدار العقوبات، سقط هذا الأسلوب سقوطًا مدويًا. انتهت البلطجة حين ظهر ثمنها، وانكشفت هشاشتها أمام منظومة لا تعترف إلا بالملفات والحجج.

الدرس الأكبر هنا لا يتعلق فقط بالكأس، بل بحدود القوة في زمن المؤسسات: ليس من يرفع صوته أعلى هو من ينتصر، بل من يعرف كيف يدير معركته داخل القانون. وما حدث في السنغال درس قاسٍ: العناد بدون حساب يتحول إلى ورطة، ومحاولة فرض الأمر الواقع خارج اللوائح لا تصمد أمام ضغط العقوبات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي سيطارد هذا المشهد: هل كان هذا “الامتثال” سيحدث لولا شبح العقوبات؟ أم أن الحقيقة البسيطة، التي تتكرر كل مرة، هي أن القانون لا يُحترم إلا حين يصبح ثمن مخالفته باهظًا… وأن كل ضجيجٍ بلا سند، ينتهي دائمًا إلى صمتٍ إجباري؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة