تنمية أم دعاية انتخابية في سطات؟

منذ ساعتين
تنمية أم دعاية انتخابية في سطات؟

فتح الله حافظي

يبدو أن بلاغ رئيسة المجلس الجماعي لمدينة سطات… ليس مجرد خبر عابر عن فتح ورش، بل نصٌّ مكتوبٌ بحبر سياسوي بعيد عن منطق التدبير، وممهورٌ ببصمة زمنٍ صار فيه كل شيء قابلاً للتحويل إلى رصيد انتخابي.
بلاغٌ ملفوف في ثوب الإخبار، لكنه ومن حيث لا تدري صاحبته، ينطق بلغة الاصطفاف، ويشي بانزلاقٍ خطير: حين تتخلى الجماعة عن موقعها كمدبر للشأن الجماعي،لتعتلي منصة الترويج.
هنا، لا تعود المؤسسة المنتخبة حارسةً للمصلحة العامة، بل تتحول إلى صدىً لمصالح رأس المال، وهي تُبارك مشروعاً خاصاً تابعاً لعلامة تجارية معينة، وتقدّمه في هيئة “إنجاز جماعي”.
أي مفارقة هذه؟
أن تُلبِس الجماعةُ الاستثمارَ الخاص عباءةَ الصالح العام، وأن تُحوّل مبادرة تجارية خاصة إلى غنيمة رمزية تُضاف إلى رصيدها السياسي. لا أثر لمسافة نقدية، ولا لأسئلة مزعجة حول من سيدفع الثمن:
ماذا عن التاجر الصغير الذي سيجد نفسه في مواجهة آلة استهلاكية ضخمة؟
و ماذا عن اقتصاد محلي هشّ قد يُبتلع في صمت؟…الجواب هنا لا يهُم. فالبلاغ
لا يرى… لأنه لا يريد أن يرى.
إنه انحياز طبقي ناعم، يُقدَّم في لغة دافئة، لكنه في جوهره يعيد ترتيب المدينة وفق ميزان الربح، لا وفق منطق العدالة.
ثم تأتي الدعاية… ثقيلة، صاخبة، لا تخجل من استعجال النهاية قبل أن تبدأ الحكاية.
فالبلاغ يحتفي بـ“فتح ورش”، لكنه يكتب كما لو أن المشروع قد اكتمل، وكأن النتائج قد تحققت، وكأن الوعود قد تحولت إلى حقائق.
هنا، لا يتم إخبار المواطن، بل يُراد له أن يصدق سردية جاهزة: أن ما لم يُنجز بعد، قد أُنجز بالفعل. في زمن التهافت الانتخابي
الانتخابي والتسابق نحو الترشيحات،تُختزل السياسة في صورة، في جملة، في بلاغ.
يصبح الحفر إنجازاً، والبداية نهاية، والوعد حقيقة مؤجلة لا يُسأل عنها أحد.
تُغيب الأسئلة، لأن حضورها يربك المشهد:
من المستفيد؟ من الخاسر؟ ما طبيعة الشغل؟ وأي مدينة نُشيّد؟ لكن لا مكان
لهذه الأسئلة في خطابٍ صُمّم ليُقنع، لا ليُحاسب.
وبالقلم الأحمر وبالخط العريض أسطر وأقول:
إن أخطر ما في هذا البلاغ ليس ما قاله، بل ما أخفاه؛ ليس ما أعلنه، بل ما يحاول أن يمرره في صمت، وفي هدوء.فحين تتحول االجماعة إلى وسيطٍ لرأس المال، ويتحول البلاغ إلى أداة دعاية، تُغًتال الفكرة
النبيلة للتدبير العمومي، ويختزل المواطن إلى مجرد رقم داخل معادلة انتخابية.

هكذا، بين جماعةٍ تنحاز حيث يجب أن تَحكم، وخطابٍ يُضخّم حيث يجب أن يَشرح، تتكشف صورة أشمل:
فعلٌ عمومي يُفرَّغ من روحه، ويُعاد توظيفه كأداة دعائية، حيث تُدار المدينة بمنطق الربح السياسي، لا بمنطق المصلحة العامة.
وعند هذه العتبة، لا يبقى السؤال تقنياً، بل يصبح سياسياً حاداً:
هل نحن أمام تنمية تُبنى للناس… أم أمام دعاية تُبنى على حسابهم؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة